الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى

منير السباح

2026 / 6 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


أقولها قولة واحدة، واضحة ومجردة من أي مواربة: أنا ضد الخروج في يوم السادس والعشرين من يونيو. إن هذا الموقف لا ينبثق من باب الترف التنظيري، بل من معايشة واعية ومسؤولة لواقع وعر وكارثي لا يحتمل أي مغامرة غير محسوبة. إن الاعتقاد الراسخ لدي هو أن هذه الدعوة لا تتعدى كونها مجازفة خاسرة، وعملاً شمشونياً يائساً، يعكس غياباً تاماً لإدراك طبيعة المرحلة الحرجة التي يمر بها قطاع غزة.حين نقرأ تفاصيل هذه الدعوة، نصطدم بجملة من الأسئلة المثيرة والملحة التي تتطلب إجابات صريحة من الجهات المنظمة. من حق الشارع أن يعرف: من يقف وراء هذا الحراك؟ وما هي الدوافع الحقيقية التي تجعلهم يطالبون جماهير منهكة بتسليم زمام أمرها لهم؟ والأهم، من سيتحمل التبعات الأخلاقية والميدانية للنجاح أو الفشل؟ إن "النجاح" في عُرف الداعين لهذه التظاهرات يبدو ضبابياً؛ إذ يدفع بجمهور غاضب للتحرك بنظام "الفزعة" في الشوارع بلا بوصلة أو قيادة. وفي نهاية المطاف، سيعود كل مواطن إلى خيمته أو بيته المدمر، ولن تجلب بضعة هتافات أو سباب في الشوارع أي تغيير حقيقي، هذا إن سارت الأمور في سياقها السلمي الأدنى.لكن قراءة الواقع الميداني تفرض علينا مواجهة السيناريوهات الأكثر خطورة؛ فلو افترضنا جدلاً تحقق السيناريو الأول، المتمثل في سيطرة المحتجين وانهيار المنظومة الأمنية لحركة حماس، فإن هذا الانهيار لن يمر دون موجة عنف عاتية تزهق عدداً كبيراً من الأرواح. والسؤال الحقيقي هنا: هل تمتلك هذه الجماهير الغاضبة القدرة أو الأدوات لإدارة المشهد المعقد في تلك اللحظة وما بعدها؟ إن غياب القيادة البديلة والمنظمة يفتح الباب على مصراعيه لسيناريو مرعب: هل سيكون الاحتلال الإسرائيلي، أو المليشيات المسلحة، وعصابات قطع الطرق بمعزل عن المشهد؟ بالطبع لا. إن تدخل الاحتلال عسكرياً لتصفية عناصر حماس بالتزامن مع الحراك سيتسبب في خلط الأوراق تماماً، لتجد غزة نفسها غارقة في فوضى شاملة لا ضابط لها. وفي غياب سلطة بديلة واضحة، سيمر الفراغ عبر تغول البلطجية وصراعات العائلات المسلحة. إن شعبنا لم يأخذ نَفَسَهُ بعد من تداعيات الفوضى والبلطجة الحالية، ولو انتهت حماس بهذا الشكل العفوي، فلن يسلم القادمون الجدد، بل سيواصل الاحتلال سحق الجميع حتى يسحب آخر ملعقة حديد داخل أي خيمة.أما السيناريو الثاني، فلا يقل سوءاً أو عُقماً؛ ففي حال قوبلت الدعوة باستجابة ضعيفة وخروج أعداد هزيلة، سيتم اختزال المشهد في بضعة صور يستغلها أدعياء البطولة والتنظير من الخارج لتحقيق مكاسب وإثبات حضور إعلامي رخيص. في المقابل، سيتعمق الشرخ الاجتماعي والخلاف الداخلي، وتستدام حالة الاحتقان والتوتر في نفوس المواطنين المنهكين أصلاً بأزمات نفسية وصحية ومجتمعية ثقيلة أورثتها الحرب. وحتى في حال غياب الاستجابة كلياً وعدم خروج أحد، فإن النتيجة ستكون ارتداد الفشل صراعاً داخلياً وتصفية حسابات وتبادل اتهامات بالتخوين والتقصير بين الجهات التي جَيّشت وجُيِّشت، دون أي مراجعة ذاتية أو وعي سياسي.إن هذه القراءة التحليلية تنطلق من أمانة الكلمة ومسؤوليتها؛ فالكلمة موقف، وقد تلقي بصاحبها في الهلاك إن لم تكن جادة وصائبة ومدركة للواقع. والكلمة المنفلتة تترك ندوباً في الضمير يحاسب المرء نفسه عليها طيلة العمر، ولا ينفع في هذه الأوقات العصيبة إلا الصدق والوضوح والابتعاد عن العبث. ومن يريد أن يتحمل وزر هذا الاندفاع، لا ينبغي أن يحرض الناس من فضاءات الخارج وهو آمن، بل على من يملك الجرأة في الداخل أن يضع الأهداف والبدائل أولاً، ويتحمل التبعات كاملة. هذا المبدأ الأخلاقي ينطبق بالقدر نفسه على حركة حماس، التي لم تتحمل يوماً تبعات مغامراتها السياسية والميدانية عبر المراحل التاريخية السابقة، بدءاً من أحداث الانقلاب، مروراً بمسيرات العودة، وصولاً إلى مطحنة السابع من أكتوبر التي عصفت بمقومات الحياة كلها.نحن لا نطلب من الناس الركون للإحباط أو الصمت على أوجاعهم ومآسيهم، بل نسعى لحمايتهم من الاندفاع نحو حالة من اليأس والانتحار الجماعي الممنهج، الذي لن يقود إلا إلى الموت المحتوم أو التهجير القسري نحو منافٍ مجهولة وضياع لا يعلم مآله أحد.إن المخرج الحقيقي يتطلب البحث الجماعي عن حلول بديلة تُدارس وطنياً وشعبياً ونخبوياً، للوصول إلى صيغ توافقية ناضجة تضع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني فوق كل اعتبار. يجب ألا نترك مصير ما تبقى من أرواح في قطاع غزة رهناً لتهور قلة قليلة من مفتقدي الخبرة والنضج السياسي والاجتماعي. البديل العملي هو بناء توافق وطني رصين وجبهة إنقاذ قادرة على إدارة شؤون القطاع بشكل منظم ومحمي، تسعى لوقف الحرب، وحفظ دماء الإنسان، وبناء ما دمرته الآلة العسكرية، بدلاً من القفز في فراغ قاتل لا يستفيد منه سوى من يريد محونا من الوجود.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بريطانيا بين الأزمات والانقسام... هل أخطأ البريطانيون في الب


.. شبكات | ما تفاصيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكست




.. شبكات | هل انتهت الجنسية بالولادة في أمريكا؟


.. شبكات | تسعينية بريطانية تقف على أجنحة طائرة أثناء تحليقها




.. شبكات | %86 من اتصالات الإسعاف في مصر معاكسات وعبث.. ما الدا