الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدولة ليست غنيمة سياسية

صفاء العطية التميمي

2026 / 6 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


تتعرض فكرة الدولة في كثير من الأحيان إلى تشويه خطير عندما تُختزل في السلطة أو المناصب أو المكاسب السياسية. فبعض الأحزاب والقوى السياسية تنظر إلى الدولة بوصفها جائزة تُمنح للفائز، أو غنيمة تُقسم بين المنتصرين، بينما تغيب حقيقة أن الدولة هي ملك لجميع المواطنين وليست ملكاً لحزب أو جماعة أو فئة معينة.

عندما تتحول الدولة إلى غنيمة سياسية، تتغير الأولويات. فبدلاً من البحث عن الكفاءة والخبرة، يصبح الولاء هو المعيار. وبدلاً من بناء المؤسسات، ينشغل الجميع بتوزيع المواقع والنفوذ. وعندها تبدأ مؤسسات الدولة بالتراجع تدريجياً، لأن الهدف لم يعد خدمة المواطن، بل خدمة المصالح الحزبية والشخصية.

إن أخطر ما تسببه عقلية الغنيمة السياسية هو إضعاف ثقة المواطنين بالدولة. فالمواطن الذي يرى الوظائف تُوزع وفق الانتماءات، والعقود تُمنح وفق العلاقات، والقرارات تُتخذ وفق المصالح الضيقة، سيفقد إيمانه بأن الدولة تمثله أو تعمل من أجله. وعندما تضعف الثقة، تضعف شرعية المؤسسات نفسها مهما كانت القوانين التي تستند إليها.

التجارب السياسية في العالم أثبتت أن الدول الناجحة لم تُبنَ على أساس تقاسم الغنائم، بل على أساس بناء المؤسسات. فالدولة القوية هي التي تستمر في أداء وظائفها بغض النظر عن الحزب الحاكم أو الشخص الموجود في المنصب. أما الدولة الضعيفة فهي التي تتغير اتجاهاتها وسياساتها مع كل تغيير سياسي، وكأنها ملكية خاصة تنتقل من يد إلى أخرى.

ومن هنا جاءت أهمية الفكرة التي يتبناها امارجي، وهي أن الدولة يجب أن تسبق السلطة. فالسلطة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع. وإذا تحولت الوسيلة إلى غاية، ضاع المشروع الوطني وتحولت السياسة إلى صراع على المنافع بدلاً من أن تكون منافسة على تقديم الحلول.

إن بناء الدولة يتطلب ثقافة سياسية جديدة تؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية العامة أمانة وليست امتيازاً. كما يتطلب الإيمان بأن نجاح أي حزب أو تيار سياسي لا يقاس بعدد المناصب التي يحصل عليها، بل بمقدار ما يتركه من أثر إيجابي في حياة المواطنين وفي قوة مؤسسات الدولة.

إن العراق اليوم بحاجة إلى الانتقال من عقلية الغنيمة إلى عقلية الدولة، ومن منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة، ومن الصراع على السلطة إلى التنافس في خدمة المواطنين. فالدول لا تنهض عندما يتقاسم الجميع حصصهم، بل تنهض عندما يتقاسم الجميع مسؤولية بنائها.

ولهذا فإن الدولة ليست غنيمة سياسية، بل مشروع وطني دائم، أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأسمى من المصالح المؤقتة. ومن يدرك هذه الحقيقة يكون قد وضع الخطوة الأولى على طريق بناء دولة قوية وعادلة وقادرة على خدمة شعبها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من الحضور العسكري إلى القوة الناعمة.. كيف تعيد روسيا بناء نف


.. ما سر تكرار الزلازل في أمريكا الجنوبية؟




.. مديرية إعلام الحسكة: مجموعات خارجة عن القانون اعتدت على مقرا


.. خارج الصندوق | ترمب يغير الاستراتيجية مع إيران: الحصار الخان




.. خارج الصندوق | الجاسر: اتفاقية مكة رسالة ردع مهمة.. وستعيد ت