الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الملك العارى !!

حسن مدبولى

2026 / 6 / 25
الادب والفن


منذ أن كتب الأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن حكايته الشهيرة «ثياب الإمبراطور الجديدة» عام 1837، لم يعد الأمر مجرد سردية أدبية عن ملك مخدوع، أو حاكم يبحث عن أى طريقة لإستنواق وتدجين أتباعه، بل تحولت القصة إلى واحدة من أكثر الصور الأدبية تعبيرًا عن ظاهرة إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان، حين يرى الجميع الحقيقة، ثم يقررون تجاهلها والفرار منها ، أو المشاركة فى تزييفها خوفا وطمعا،
في تلك الحكاية يبدو الملك وهو يتمايل في موكب مهيب، منتشيًا بأزياء لا وجود لها إلا في مخيلته ، بعدما أقنعه محتالون بأنهم نسجوا له ثوبًا سحريًا لايمكنه هو نفسه رؤيته ، وكذلك لن يراه إلا الأذكياء والمخلصون لعرشه وسلطانه والمؤمنون بحكمته ،
وبينما الملك يسير بخيلاء، ويتفحص الوجوه لاكتشاف الخونة الذين لايرون الزي،ولا يعترفون بعظمته، إصطف على جانبي الطريق الوزراء والوجهاء، والخاصة الواعية من الجماهير، وحتى العامة والغوغاء ، كانوا جميعهم يتسابقون في إظهار الإعجاب والإشادة، ويتنافسون في وصف روعة ثوب لا وجود له،
المؤسف أن الكل كان يرى الحقيقة ذاتها، أن لا ثوب هناك، ولا معجزة، ولا شيء يستحق كل هذا الاحتفاء، ومع ذلك استمر التصفيق، وتعالت الهتافات، وتواصل الكذب الجماعي حتى بدا وكأنه حقيقة راسخة مقدسة لا يجوز التجديف قبالها أو التشكيك فيها.
المأساة الأعظم لم تكن في الثوب الوهمي الذى ارتداه الملك ، بل كانت في الخوف، الخوف من الاعتراف بما تراه العيون، والخوف من مخالفة الجموع، والخوف من أن يقول الإنسان ما يعتقده حقًا،فيُتهم بالجهل، أو التمرد، أو الخروج عن الصف،
لكن مع هذا ووسط ذلك المشهد العبثى، ظهر طفل صغير لا يملك سلطة ولا نفوذًا ولا مصلحة، ونظر بعينيه المجردتين إلى ما يراه الجميع، واصابته الدهشة من تعليقات الجموع المهللة للثوب القشيب فقال ببساطة: «إنني لا أرى أية ملابس ، إنى أرى الملك عاريًا».
لم يكتشف الطفل بذلك سرًا خفيًا، ولم يزح الستار عن حقيقة مجهولة. فكل ما فعله أنه نطق بما كان يعرفه الجميع ويرتعبون من مجرد البوح به.

إن بعض الاعمال الادبية يتوجها الخلود فلا يطويها النسيان ومرور الزمن، وتظل فى معركة دائمة من أجل الإنسان ،
لهذا ظلت "ثياب الإمبراطور الجديدة" إبداع حي حتى اليوم، وظلت عبارة " أرى الملك عاريا " رمز للصادقين الأبرياء الذين يصفون المشهد كما هو ، ويفضحون بصدق كل زيف ينجح في ارتداء ثوب الحقيقة، ويعرون كل خطأ يتحول بالتكرار إلى مسلّمة، ويتصدون بلا حسابات لعلو أى مشهد عبثي يشارك الناس في تضخيمه والاحتفاء به ،
كما ظلت تلك العبارة أيضا صرخة في وجه النفاق الانسانى الجماعي، وتذكير دائم بأن الحقيقة لا تتغير بكثرة المصفقين، وأن الوهم، مهما حشد حوله من مديح وهتاف ورقص وتطبيل ، سيظل وهمًا، يمكن لطفل واحد كشف عوراته،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات