الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارعُ المعارض

منير السباح

2026 / 6 / 27
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


مرّ يوم السادس والعشرين من يونيو (26/6) دون أن تسيل قطرة دم واحدة في قطاع غزة، والحمد لله أولاً وأخيراً. فكل قطرة دم فلسطينية تراق في صدام داخلي هي خسارة صافية ومجانية للكل الوطني، وطعنة في خاصرة هوية مثقلة أصلاً بالتشرذم والانقسام، وزيادة مريرة في معاناة شعب لم يعد يحتمل المزيد من الطحن. لكن هذا الهدوء الميداني لم يكن عفوياً؛ بل جاء نتيجة قراءة شعبية بالغة الذكاء، أسقطت سيناريوهات الفوضى، وكشفت في الوقت ذاته عورات المشهد السياسي بشقيه: من خطط للحراك، ومن اعتقد أنه انتصر عليه.إن أولى خطايا هذا الحراك الفاشل ولدت من رحم العبث بالمصطلحات؛ فأن يخرج ثلة من المنظمين (الذين لا يفقهون في أبجديات السياسة شيئاً) ليرفعوا شعار "ثورة"، مستحضرين مضامين الثورة المصرية وسياقاتها لإسقاط منظومة ما، ثم يلتفتوا في ذات الوقت لحركة حماس – وهي سلطة الأمر الواقع المدججة بالسلاح وسط حرب إبادة طاحنة – ويطالبوها بمنحهم ترخيصاً للتظاهر السلمي والتعبير عن الألم؛ فهذا ليس جهلاً سياسياً فحسب، بل هو انفصال تام عن الواقع ومقوماته. لقد ولد الحراك ميتاً، بفشل اختياري مع سبق الإصرار والترصد؛ فلا تخطيط، ولا أهداف واضحة، ولا تشبيك ميداني، ولا ظهير يحمي الناس على الأرض. واعتمد المنظمون بالكامل على الفضاء الافتراضي، فجاءت النتيجة الحتمية نكوصاً شعبياً عاماً، ليس لأن الناس لا تتألم، بل لأن الشارع في غزة يمتلك حساً نقدياً مجرباً لا يقبل بأن يساق كوقود لمغامرات افتراضية غير محسوبة.في المقابل، على حركة حماس ألا تنخدع بنجاحها الإلكتروني في معارك "التجييش والتشويه والتشويش" الرقمي. إن هذا النجاح الافتراضي يشبه تماماً طالب "التوجيهي" الذي يحل أسئلة امتحاناته عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI)؛ هو ينجح على الشاشة، لكنه لا يملك من العلم حقيقةً في عقله شيء. وأول من ينخدع بهذا التصور الرقمي هي حماس نفسها إذا اعتقدت أن مقاطعة الناس للمسيرات هي صك غفران لسياساتها، أو مبايعة مطلقة لنهجها، أو إيمان برؤيتها الإدارية للأزمة. إن التوهم بأن كل من جلس في خيمته ولم يخرج للشارع هو "ابن الحركة" هو قصر نظر سياسي خطير، فالناس في غزة لم يخرجوا لحسابات أعقد بكثير من مجرد الولاء الحزبي.والحقيقة المقروءة بوضوح في طيات هذا اليوم، هي أن معارضي حماس في غزة كانوا أكثر وطنية ونضجاً من الجميع. لقد أثبت هذا الشارع الصامت والملكوم أنه الجدار الحامي للهوية الوطنية والمسيرة النضالية، مستنداً إلى وعي فطري وفكري عميق بكيفية إدارة الصراع. وتجلى ذلك أولاً في تحديد التناقض الرئيسي، عبر إدراك الناس بأن آلة الدمار الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الفلسطيني برمته هي الخطر الوجودي الأول والأكبر الذي يجب ألا يعلو عليه صوت. وتجلى ثانياً في تأجيل التناقض الثانوي، والفهم الواعي بأن فتح جبهة صدام داخلية وسط أشلاء الشهداء والجوع والنزوح لن يجلب سوى انهيار الجبهة الداخلية، فآثروا الصبر المرير ترفعاً عن الفتنة. هؤلاء المعارضون الواعون يعرفون تماماً متى تكون لهم الكلمة، وفي أي منبر تُقال، وبأي أدوات تفرض.إن سقوط حراك 26/6 الفاشل لا يعني أبداً، ولا بأي شكل من الأشكال، سقوط مشروعية المطالب الشعبية. فمن يقول إن مطالب الناس غير عادلة فهو "أعمى البصيرة"؛ لقد فاقت آلاف غزة كل قدرة بشرية على الاحتمال، ومن حق المتألم والنائم في العراء والجائع أن يشكو، وأن يرفع صوته، بل وأن يحارب بأعلى صوت لانتزاع حقه في الحياة الكريمة. وهنا يبرز الواجب الأخلاقي والإنساني العاجل الملقى على عاتق حماس: أن تتوقف عن الاستعلاء، وتستمع بمسؤولية لوجع الناس الحقيقي، وتكف عن تخوين صرخات الجياع والمطالبين بضبط الغلاء وسوء الإدارة، فصمت الشارع وعيٌ وتأجيل، وليس قبولاً بالواقع المعيشي المتردي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مرور الأمين العام محمد نبيل بنعبدالله، في النشرة الإخبارية ا


.. هوية واضحة... ورؤية من أجل مغرب أكثر عدلاً




.. تراث مادبا الحضاري و صراع السرديات - د. عمر الغول


.. بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لرحيل فقيد الوطن والشعب، الر




.. بودكاست -نزعمو كاملين- | الحلقة الرابعة : سعيد أقداد