الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الثاني

خالد محمود خدر

2026 / 6 / 28
المجتمع المدني


إن حديث الإنسان مع نفسه ، صباح كل يوم جديد ، يؤثر بالفعل في مزاجه، ونفسيته، واندفاعه إلى يومه الجديد هذا بتفاؤل وأمل، و لكن ذلك وحده لا يكفي لتحقيق النجاح أو تجاوز جميع التحديات او العقبات ، وإنما يكون أكثر فاعلية عندما يقترن بالانشغال بالعمل والتخطيط والمرونة في مواجهة الصعوبات.

في إجابة عن تساؤلات كهذه، كتب أحد علماء النفس يقول:
أنت أول من يصنع يومك.
نعم، فالصباح لا يمثل مجرد بداية ليوم جديد، بل هو بداية للطريقة التي نرى بها أنفسنا ومن حولنا والعالم بأسره. فالكلمات الأولى التي يحدث بها الإنسان نفسه لا تذهب هباء ، بل تستقر في أعماقه وتصنع مزاجه وتؤثر في قراراته ، وتغير بايجابية نظرته إلى الحياة.
لذلك، من الضروري أن يكون حديث الإنسان مع نفسه في كل صباح مفعما بالأمل. أن يفكر بالسلام ويفكر بالنجاح ويفكر بالسعادة ويفكر ان تطلب بالشفاء وأن يمنح نفسه فرصة لنسيان ما أثقل قلبه من آلام الماضي او من غدروا به في ماله او عمله او ما شابه ذلك.


يؤكد علماء النفس أن الطريقة التي تحدث بها نفسك تؤثر كثيرا في مزاجك وقراراتك ونظرتك إلى الحياة أكثر مما تتخيل. لذلك، لا تبدأ يومك بالقلق أو باستحضار أسوأ الاحتمالات، بل ابدأه بأفكار تمنحك القوة والأمل. وإذا كان الماضي مثقلا بصفحات الغدر، أو الاستغلال، أو تحطيم الأحلام، فأوكله إلى السماء، واترك للعدل الإلهي أن يأخذ مجراه ، واجعل أول صوت يسمعه عقلك كل صباح هو ذلك الصوت الذي يدفعك إلى الأمام ، فأنت تستحق حياة أكثر هدوءا وعقلا أكثر اتزانا ومستقبلا أجمل.

لقد كتب الفيلسوف ماركوس أوريليوس يقول :
إن حياتك هي ما تصنعه أفكارك.
وهذه ليست عبارة فلسفية فحسب، بل حقيقة تؤكدها تجارب البشر، فالإنسان لا يعيش الأحداث كما هي ، بل كما يفسرها عقله. وقد يمر شخصان بالموقف نفسه ، فيراه أحدهما بابا للفرصة، بينما يراه الآخر بداية للنهاية. والفرق بينهما لم يكن في الواقع ، بل في طريقة التفكير.

ولهذا، فإن من أجمل العادات التي يكتسبها الإنسان أن يصادق نفسه قبل أن يواجه العالم، وأن يقول لها كل صباح:
اليوم فرصة جديدة، واليأس ليس قدري، والخوف ليس قائدي، وما فاتني بالأمس قد تعوضني السماء عنه خيرا، وفي أحسن الأحوال حسبي صفاء نيتي مع من غدرني واستغلني ماديا او عملا او اوقع بي جرما لا استحقه.


يتردد في مجتمعاتنا القول المأثور: تفاءلوا بالخير تجدوه. وهي عبارة تختزل قيمة إنسانية عظيمة ، فالتوقعات الإيجابية تمنح الإنسان دافعا للعمل، بينما تستنزفه التوقعات السوداوية قبل أن يبدأ طريقه.

يقول هنري فورد مؤسس شركة فورد :
سواء اعتقدت أنك تستطيع، أو اعتقدت أنك لا تستطيع، ففي الحالتين أنت على حق.
وقد يتساءل القارئ: لماذا؟
لأن العقل كثيرا ما يصدق ما تكرره عليه. فإذا أقنعته أنك عاجز، استسلمت قبل المحاولة، وإذا أقنعته أنك قادر على التعلم والتطور، يبدأ بالبحث عن الوسائل التي تعينك على تحقيق ذلك.

ومن هنا أعود إلى ما بدأت به هذا المقال، وهي أن حديث الإنسان مع نفسه هو أطول حوار يعيشه في حياته، وهو أيضا أكثر الحوارات تأثيرا. فمن اعتاد جلد ذاته، حمل هذا الجلد معه أينما ذهب، ومن اعتاد تشجيعها، وجد في داخله رفيقا لا يخذله في أوقات الشدة.

موضوع المقال يذكر بقول كونفوشيوس الفيلسوف الصيني الكبير:
لا يهم مدى بطء سيرك، ما دمت لا تتوقف.
وهذه الحكمة تؤكد أن الحياة ليست سباقا مع الآخرين، وإنما رحلة مع النفس. وكل خطوة صغيرة نحو الأفضل خير من الوقوف في المكان نفسه خوفا من الفشل.
ولعله لهذا السبب قيل قديما:
ازرع فكرة تحصد فعلا، وازرع فعلا تحصد عادة، وازرع عادة تحصد شخصية ، وازرع شخصية تحصد مصيرا.

ولعل هذه الكلمات والاقوال بمجملها تختصر جانبا كبيرا من حقيقة الإنسان ، فما يملأ عقله يظهر في قراراته، وما يملأ قلبه ينعكس على ملامحه وسلوكه وتعاملاته مع الآخرين.
لذلك، لا تجعل أول ضيف يدخل عقلك كل صباح هو القلق والتفكير بالماضي وغدر من غدرك او من لم ينصفك وغير ذلك من امور تعيش هواجسها وتبعاتها ، فيطرد بذلك الطمأنينة من قلبك قبل أن تبدأ يومك.


إن الامتنان، والتفكير الواقعي الإيجابي، وتجنب الاجترار المستمر للأفكار السلبية، كلها ممارسات تساعد الإنسان على تحسين حالته النفسية واتخاذ قرارات أكثر اتزانا. وليس المقصود أن يتجاهل الإنسان آلامه أو يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وإنما ألا يسمح للخوف أو الندم أو عتاب النفس بأن يقود يومه.

قد يكون أشد ما يؤلم الإنسان أن يندم على موقف شريف قام به، أو على تضحية أو إيثار قدمهما لمن لم يعرف قيمتهما أو استغل طيبته فاخذ بالخديعة اتعاب عمره ثم إنكرها وقابله بالتشفي. غير أن استمرار استحضار تلك المواقف لا يغير الماضي، بل يمنح من أساء إلينا فرصة جديدة للفرح والتشفي ومواصلة التأثير في حاضره.

لذلك، لا تجعل طريقة تفكيرك تكمل ما بدأه الآخرون من إساءة إليك، ولا تسمح لهم بأن ينتصروا عليك مرتين؛ مرة حين أساؤوا إليك بطرق واساليب ماكرة ، ومرة حين جعلوك أسيرا لما اوصلوك إليه بمكرهم وغدرهم.

يقول جبران خليل جبران:
قد لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من أن تحلق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تبني أعشاشها فيه.
وهذه هي الحكمة كلها ، فالأفكار السلبية قد تزور الجميع ومخلفات جراح الآخرين قد تجعلك تعيشها كل يوم ، لكن الحكمة تكمن في ألا نجعلها مقيمة في عقولنا، ولا أن نسمح لها بأن تتحول إلى أسلوب حياة.

لنتذكر دائمًا أن أول شخص يسمع صوتنا كل صباح هو نحن، وأول قلب يتأثر بكلماتنا هو قلوبنا، وأول عقل يصدقها هو عقولنا. فإذا ملأناها بالأمل والعمل والثقة بالسماء ، أصبحت أكثر هدوءًا وحكمة، أما إذا غذيناها بالخوف والندم والاستسلام لاثار الماضي ، فقد نبقى أسرى لاحتمالات قد لا تأتي أبدا.

لذلك، ابدأ يومك بفكرة طيبة، وكلمة طيبة، ودعاء طيب، وقل لنفسك بإيمان صادق:
بمشيئة من أؤمن به في أعماق روحي ، سيكون اليوم أفضل من سابقه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أخبار الصباح | سبتة.. بوابة الموت إلى أوروبا ومأساة تبتلع عش


.. نشرة إخبارية | الفيروس المميت يثير هلع الأمم المتحدة.. وإثيو




.. صواريخ ومسيرات مليشيا الحوثي تهاجم النازحين في مأرب.. وسقوط


.. الإسكندرية تشن حملات على الإشغالات.. أحمد سالم: شيلوا كل الم




.. حملة اعتقالات حوثية للمدنيين في جنوب محافظة الحديدة