الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، وترهل فتح التنظيمي
منير السباح
2026 / 6 / 30مواضيع وابحاث سياسية
في المشهد الفلسطيني المعقد، لم يعد السؤال عن مستقبل الحكم، أو إمكانية إجراء انتخابات مقبلة، حكراً على حسابات التحالفات الإقليمية وموازين القوى العسكرية. إن الغوص في تفاصيل الواقع المعاش، وتحديداً في قطاع غزة، يكشف عن معادلة ثلاثية الأبعاد يتداخل فيها العامل النفسي بالبنيوي والتنظيمي، لتصنع مشهداً سياسياً يبدو في ظاهره راكداً، لكنه يحمل في طياته تحولات عميقة ومقلقة لكافة الأطراف.تُعلمنا تجارب التاريخ أن سقوط الأنظمة الحاكمة أو تراجع الحركات الشمولية يرتبط عادةً بانفجار الحاضنة الشعبية ضد سياسات إقصاء التعددية أو الفشل في إدارة الأزمات. لكن هذا القانون التاريخي يصطدم في قطاع غزة بحالة نفسية جمعية فريدة ومعقدة، يمكن تسميتها بـ "سيكولوجية الإنهاك والتجنب". إن غياب التفاعل الجماهيري مع دعوات التغيير أو الاحتجاج لا يعكس رضا عاماً عن الواقع، بل هو نتاج مباشر لاضطرابات ما بعد الصدمة التراكمية التي يعيشها المواطن الغزي. لقد تحولت الطاقة النفسية والذهنية للمجتمع من مربع المشاركة العامة والشغف السياسي إلى مربع الانكفاء على الذات وصراع البقاء اليومي. فحين يصبح تأمين قوت اليوم، وطابور الماء، والحفاظ على رمق الحياة وأمان العائلة هي الأولوية القصوى، يتراجع الشأن السياسي ليصبح ترفاً لا يملكه المواطن المنهك. هذا الإنهاك ولّد حالة من العجز المكتسب، حيث تسرب الإحباط إلى الوعي الجمعي بأن أي تحرك أو محاولة لإعادة صياغة الواقع قد تقود إلى جولة عنف جديدة أو فوضى لا تقوى الأجساد والأرواح المنهكة على تحمل كُلفتها، فيفضل الشارع السكون حمايةً لما تبقى من رماد استقراره.ولم تكن هذه القراءة النفسية مجرد ترف نظري، بل تجسدت واقعاً ملموساً في الاستحقاق المحلي الأخير لانتخابات بلدية دير البلح. تلك المحطة شكلت نموذجاً حياً لكيفية ترجمة الذهول النفسي إلى سلوك سياسي على الأرض. لقد عكس إحجام قطاع واسع من الجمهور عن التفاعل والمشاركة صرخة صامتة ضد المنظومة الحزبية القائمة. وفي ظل هذا الفراغ الذي خلفته الأغلبية الصامتة، تراجعت الهوية المدنية والسياسية لصالح الروابط التقليدية الأولى، فطغت العائلية والعشائرية على المشهد بفضل حجمها وقدرتها الذاتية على الحشد والتحرك في مناخات الركود العام. أما الحزبية التقليدية، فقد بدت متداخلة شكلاً وصورية، ومخادعة في الجوهر؛ حيث آثرت الفصائل الكبرى التخفي وراء لافتات المستقلين أو كتل التكنوقراط، في محاولة واضحة للالتفاف على غضب الشارع أو هرباً من مواجهته ببرامج وشعارات تقليدية لم تعد بضاعة رائجة في سوق الوعي الغزي المكلوم.هذا العزوف العام والإنهاك السيكولوجي يقودنا إلى قراءة توازنات القوى الإيديولوجية والتنظيمية في حال الذهاب إلى انتخابات عامة. وهنا تبرز المفارقة التي ترجح كفة حركة حماس برغم حجم الدمار والكارثة المحيطة بالقطاع. تكمن قوة حماس الانتخابية في امتلاكها لما يمكن تسميته "البلوك الإيديولوجي الصلب"، فهذا القطاع من الجمهور لا يصوّت بناءً على تقييم الأداء المعيشي أو الخدماتي، بل ينطلق من التزام عقائدي وتربوي صارم يرى في مساندة الحركة واجباً تنظيمياً. يضاف إلى ذلك تميز حماس بآليات تواصل مستمرة تتجاوز المواسم الانتخابية، عبر شبكات تربوية ودعوية وحلقات مساجد تصنع حالة تلاحم مجتمعي يومي يحافظ على تماسك القواعد. والأهم من ذلك، هو ديناميكية تجديد القيادات داخل حماس؛ وهو تجديد يفرضه عاملان: الالتزام الأيديولوجي الشوري من جهة، والغياب القسري للقادة بفعل الاغتيالات والمواجهات من جهة أخرى. هذا التجدد التلقائي يضخ دماءً شابة ومتحمسة بانتظام في سدة الهرم، مما يبقي التنظيم حيوياً وقادراً على محاكاة تحولات الأجيال.على الطرف المقابل، تبدو حركة فتح غارقة في أزمة ترهل تنظيمي حاد يهدد أطرافها بالتآكل. تعاني الحركة من معضلة التكدس القيادي في أعلى الهرم، حيث تستأثر النخب التقليدية والتاريخية بالمشهد، حارمةً القاعدة العريضة والكوادر الشابة من فرصة الصعود أو إحداث تدافع أجيال طبيعي. هذا الانسداد التنظيمي، مصحوباً بسياسات إقصائية داخلية، يعزز حالة الاغتراب لدى جيل الشباب الذي لا يرى نفسه في خطاب الحركة الحالي، مما يشتت أصوات جمهورها التقليدي ويفقدها القدرة على تقديم البديل الجاذب والمنظم الذي ينتظره الشارع.إن الإجابة على ثنائية سقوط حماس أو نجاح فتح لا تكمن في قراءة النوايا أو إطلاق الشعارات، بل في فهم متى وكيف سيتعافى الوجدان الجمعي في غزة من صدماته المتلاحقة. لن تسقط حماس بفعل الضغط الخارجي طالما احتفظت بكتلتها الصلبة في مواجهة تنظيمات مترهلة، ولن تنجح فتح في وراثة المشهد وهي عاجزة عن تجديد دمائها وفتح قنوات الهرم لقواعدها. التحول الحقيقي سينتظر اللحظة التي يخرج فيها الشارع من مرحلة الذهول النفسي إلى مرحلة التعافي والمبادرة، ليولد من رحم المعاناة وعي سياسي جديد، يتجاوز الخوف وصراع الإيديولوجيات، ويطالب ببنية ديمقراطية اتحادية تعددية تضع كرامة الإنسان الفلسطيني واستقراره النفسي والمعيشي فوق أي اعتبار فصائلي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إصابة شابين باعتداء مستوطنين عليهما بالضرب في الضفة
.. -أنا صهيوني-.. مواجهة بين طبيب وناشطين داعمين لفلسطين في أمر
.. إذاعة الجيش الإسرائيلي: إصابة جندي بنيران صديقة في جنوب لبنا
.. الجزيرة ترصد آثار الدمار في محلية جبرة الشيخ شمال كردفان
.. الإنجليزية للمستوى المتوسط: طرق مختلفة للتعبير عن الاهتمامات