الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأميم السلاح والقضاء على شبكات الفساد.

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 7 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


شكل الحوار الأخير لسيادة رئيس مجلس الوزراء العراقي، السيد علي فالح الزيدي، مع صحيفة (الشرق الأوسط) ما يمكن وصفه بـ(وثيقة المكاشفة السياسية الأكثر صراحة)في تاريخ المشهد العراقي الحديث. ولم يكن مجرد عرض لبرنامج حكومي خدمي تقليدي، بل جاء كإعلان صريح عن انطلاق معركة وجودية تهدف إلى ركيزتين أساسيتين:-

أ- تفكيك شبكات الفساد البنيوي بكل أشكالهِ.

ب- إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت بكل تسمياتهِ.

وذلك تمهيداً لصياغة عقد سياسي واقتصادي جديد يتوج بنهاية هذا العام عبر (مؤتمر السيادة الوطنية).

1/ضرب وتفكيك شبكات الفساد:
لم يعد الفساد في القاموس السياسي الحالي مجرد هدر مالي أو سرقات عابرة، بل جرى تشخيصه كـ(تهديد وجودي لبقاء الدولة العراقية). لقد أشار الرئيس الزيدي بدقة إلى نشوء (منظومة فكرية منحرفة) تتسابق على نهب المال العام، ودخول عناصر لجسد الدولة بهدف السرقة وليس الخدمة.
ومواجهة هذه الشبكات الآن انتقلت إلى حيز التنفيذ عبر مسارين:
أ- المأسسة والاسترداد: عبر التوجيه المباشر لوزارة المالية بفتح حساب خاص مكرس حصراً لاسترداد أموال العراق المنهوبة من المتورطين.

ب- القدوة الأخلاقية والزهد السياسي: في خطوة غير تقليدية، أعلن الزيدي تخليه عن راتبه الشخصي ورفض الهدايا، مقترناً بقرار حاسم بعدم الترشح لولاية أخرى أو تأسيس حزب سياسي. هذه الخطوة تمنح الإدارة التنفيذية استقلالية تامة وحرية حركة مطلقة لضرب مصالح حيتان الفساد، دون الخضوع لحسابات التنافس الانتخابي أو المحاصصة الحزبية.

2/احتكار القوة ونهاية مفهوم الدولة داخل الدولة:
المحور الأكثر حساسية وجرأة في هذا المشروع هو الانتقال الفعلي نحو حصر السلاح بيد الدولة تفكيكاً لمفهوم اللادولة. فالإعلان عن (مؤتمر السيادة الوطنية) في نهاية عام 2026 يأتي ليكون المظلة القانونية والسياسية التي تكرس احتكار القوة بيد الأجهزة الأمنية الرسمية حصراً.
الجديد في هذا الطرح هو الانتقال من النقاش النظري إلى التطبيق العملي والملموس كالتالي:

أ- تسيلم السلاح وفك الارتباط: إن استلام السلاح بنسب متنوعة من فصائل رئيسية مثل (سرايا السلام، عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي) يمثل بداية حقيقية. لكن الأهم كما شدد رئيس الوزراء هو الانطلاق نحو (فك الارتباط التنظيمي) بين هذه الفصائل والمقاتلين.

ب- انتفاء حاجة المقاومة: تأسيس عقيدة جديدة تؤمن بأن (المقاومة حاجة وليست مهنة) وبما أن مؤسسات الدولة الأمنية قد اشتد عودها، فقد انتفت الحاجة لأي مظهر مسلح خارج إطار القانون، فلا مجال لتعايش (دولة داخل الدولة).

3/الثورة الاقتصادية والتحول نحو اقتصاد السوق:
لا يمكن بناء سيادة سياسية دون أرضية اقتصادية صلبة. الرؤية الاقتصادية المطروحة تسعى لانتشال العراق من نمطه القديم المقيد بإرث تشريعي واشتراكي يعود إلى حقبة مجلس قيادة الثورة المنحل، والاندفاع بقوة نحو (اقتصاد السوق الحر). وملامح هذا التحول الاستراتيجي تظهر في:

أ- صندوق الطاقة والتنمية: مشروع ريادي بمساهمة البنك المركزي العراقي يعرض للاكتتاب العام، مع توجيه دعوة مفتوحة لشراكات إقليمية ودولية (السعودية، الإمارات، قطر، والصناديق الأوروبية والأمريكية)، مما يحول العراق إلى ساحة جذب استثماري ويربط استقراره بمصالح اقتصادية عالمية.
ب- لسيادة المالية والنفطية: الاستغناء التام عن برامج الاقتراض من صندوق النقد الدولي بعد حل إشكاليات السيولة والدولار، بالتوازي مع المطالبة بحصة منصفة وعادلة داخل منظمة (أوبك) لتراعي الكثافة السكانية للعراق والتضحيات الهائلة التي قدمها نيابة عن العالم في الحرب ضد الإرهاب.

4/عقيدة خارجية مستقلة لتصفير الأزمات:
في الشق الخارجي، يرتكز المشروع على معادلة واضحة، وهي استقلال القرار الداخلي ورفض أي إملاءات عابرة للحدود (لا من الشرق ولا من الغرب) يقابلها التزام مسؤول بحماية أمن الجوار الإقليمي، والتأكيدات الحاسمة بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الخليج أو غيرها من دول الجوار ، وتوجيه القيادات الأمنية بالتصدي الصارم لأي محاولة من هذا النوع، وهذا يعكس رغبة العراق في التحول إلى عنصر استقرار في المنطقة. وهو ما تترجمه الدبلوماسية النشطة عبر جولات العمل المرتقبة التي تشمل (واشنطن، ثم الرياض وأنقرة وطهران) لبناء علاقات متميزة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ختاماً/إن عملية تفكيك بنى (اللادولة) وإنهاء مظاهر السلاح المنفلت، وتحجيم شبكات ومنظومة المصالح الفاسدة، ليست مجرد خيار سياسي، بل هي معركة وجودية واستراتيجية لاستعادة احتكار الدولة الشرعي للقوة وإنفاذ القانون. ونجاح هذا المشروع الوطني الطموح أصبح مشروطاً بقدرة القوى المدنية الحية والجمهور على الانتقال من مقاعد المتفرجين إلى صياغة (عقد اجتماعي جديد) يرتكز على المواطنة الدستورية والمؤسسات العابرة للمكونات.
إن كتابة صفحة العراق الجديدة كمركز ثقل واستقرار في المنطقة، تبدأ من فرض هيبة الدولة، وإعلاء معايير الكفاءة والجدارة، لتصبح الدولة هي المظلة الوحيدة والآمنة للجميع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. توجس آسيوي يدفَع مصافي الهند لتحركات استثنائية بسوق النفط


.. حصيلة قتلى جنوبي لبنان وخشية الأهالي من عودة الحرب




.. غارات بخان يونس وتصعيد إسرائيلي يواكب ضغوطاً أمريكية بالقاهر


.. الكفاءات البحرينية تقود جيلاً جديداً من العمل المصرفي بخبرات




.. تصعيد إسرائيلي خطير في جنوب لبنان.. هل تنهار المفاوضات؟ | #ا