الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الخسارات التي لا تعزى
مهند كاظم محمد
2026 / 7 / 1قضايا ثقافية
المهندس مهند كاظم محمد
ليست كل الخسارات تُعلَن على الملأ، وليست كل الأحزان ترتدي السواد، فهناك خسارات تمضي بصمت، لا يراها أحد، ولا يسمع أنينها سوى صاحبها. خسارات لا تُقام لها مجالس عزاء، ولا تتلقى بسببها كلمات المواساة، لكنها تترك في القلب فراغاً قد لا يملؤه شيء.
نحزن حين نفقد شخصاً عزيزاً، وهذا أمر مفهوم ومألوف، لكن ماذا عن الأحلام التي عاشت معنا سنوات طويلة ثم ماتت قبل أن ترى النور؟ ماذا عن تلك الطموحات التي رسمنا لها الطرق، وبنينا لها الآمال، ثم اكتشفنا في منتصف الطريق أنها لم تعد ممكنة؟ من يعزينا في حلمٍ قضينا أعمارنا ننتظره ثم غادرنا دون وداع؟
هناك خسارة أخرى لا تقل وجعاً، حين يفقد الإنسان نسخةً قديمة من نفسه. ذلك الشاب المليء بالحماس، أو تلك الفتاة التي كانت ترى العالم بعينين ممتلئتين بالدهشة. تمر السنوات، وتتراكم التجارب، ويكتشف الإنسان أنه لم يعد كما كان. بعض ما نفقده من أنفسنا لا يعود أبداً، ومع ذلك لا أحد يلتفت إلى هذا الفقد الخفي.
ونخسر أحياناً أشخاصاً ما زالوا على قيد الحياة. لا يموتون، لكن المسافات تكبر بينهم وبيننا. تتراجع الأحاديث، وتبهت الذكريات، وتتحول العلاقة التي كانت يوماً جزءاً من تفاصيل حياتنا إلى مجرد اسمٍ عابر في قائمة الهاتف. لا خصام حدث، ولا خلاف كبير وقع، لكن الزمن أخذ ما كان بيننا بهدوء، حتى أصبحنا غرباء تجمعنا الذكريات فقط.
ومن الخسارات التي لا تُعزّى أن يضطر الإنسان إلى التنازل عن جزء من ذاته كي يستمر. أن يكتم رأياً، أو يؤجل رغبة، أو يدفن موهبة، أو يتخلى عن شغف أحبه كثيراً لأن ظروف الحياة لم تمنحه فرصة الاستمرار. قد يراه الآخرون ناجحاً، لكنه وحده يعرف حجم الأشياء التي اضطر إلى تركها خلفه.
ولعل أكثر الخسارات ألماً هي تلك التي لا نستطيع شرحها للآخرين. كيف يمكن للمرء أن يصف شعوره وهو يرى العمر يمضي أسرع مما توقع؟ أو وهو يكتشف أن بعض الأمنيات لم يعد لها مكان في المستقبل؟ أو حين يشعر أن شيئاً ما انطفأ داخله دون أن يعرف متى وكيف حدث ذلك؟
الحياة لا تسرق منا الأشخاص فقط، بل تسرق مراحل كاملة، وأحلاماً، وفرصاً، وأوقاتاً، وأماكن، وحتى مشاعر كنا نظن أنها ستبقى إلى الأبد. وكلما تقدم بنا العمر أدركنا أن سجل خساراتنا أكبر بكثير مما كنا نتصور.
ومع ذلك، فإن جمال الإنسان يكمن في قدرته على الاستمرار. فبرغم الخسارات التي لا تُعزّى، ينهض كل صباح، ويواصل طريقه، ويزرع أملاً جديداً في أرضٍ أنهكتها الخيبات. وربما لا تكمن قوة الإنسان في أنه لا يخسر، بل في أنه يتعلم كيف يحمل خساراته بصمت، ثم يمضي.
فليست الحياة رحلة من الانتصارات المتواصلة، وإنما هي فن التعايش مع ما فقدناه، دون أن نفقد أنفسنا معه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أميركا تحاصر أذرع إيران في العراق.. هل بدأت معركة نزع سلاح ا
.. أبعاد المواجهة بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين في السا
.. وسائل إعلام عراقية: إغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران
.. رصد تحركات بموقع جبل الفأس الإيراني وواشنطن تلوح باستهدافه
.. وزير الخارجية العراقي يبحث هاتفيا مع نظيره السعودي الأوضاع ب