الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أنا والكتاب

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 7 / 1
الادب والفن


هل رأيتَ من قبلُ صديقًا لا يُضجر، ولا يغيب، ولا يُبدل؟ صديقًا ينامُ حيثُ تتركه ويصحو حيثُ تفتحه ويُصغي إليك دون أن يقطع كلامَكَ ويحفظُ أسرارَكَ دون أن يُذيعها؟ ذلك هو الكتاب. ذلك هو الأنسُ الذي لا يعرفُ الفُرقة والنورُ الذي لا يعرفُ الغروب والماءُ الذي لا يَعْلقُ به غبارُ الأيام والنبضُ الذي لا يخبو وإن تعاقبتْ عليه الليالي المتعبة.
أيها الكتاب، كم وقفتُ على عتباتِكَ حافيَ القدمين، عاريَ الروح، أخلعُ عني ثيابَ الوجلِ كما يُخلعُ الحاجُّ إزارَه عندَ البيت العتيق! أدخلُ إليك فلا أجدُ أبوابًا، بل أجدُ آفاقًا ممتدةً مدَّ البصرِ والخيال. أمشي فيكَ فلا أجدُ دروبًا، بل أجدُ عوالمَ تتشابكُ كالأحلام، وتتنفسُ كالأرواح. أنظرُ في حروفِك فلا أرى حبرًا جامدًا على ورقٍ صامت، بل أرى بشرًا يتكلمون وأشجارًا تتمايل في ربيعٍ لا يفنى وبحارًا تموج بأمواجٍ لا تهدأ وسماءً تتهاطلُ نجومًا على رأسي فتضيءُ ظلماتي. فيا عجبًا! كيف تسعُ هذه الصفحاتُ البيضاءُ كلَّ هذا الكونِ المترعِ بالأسرار؟ وكيف ينامُ الخيالُ بين سطرين ثم يستيقظُ أبدًا لا يموت؟
أنا والكتاب، نحن لغزٌ واحد في جسدين. كلانا صامتٌ وناطق، حاضرٌ وغائب، ميتٌ حيٌّ في آنٍ معًا. كلانا يبحثُ عن الآخر فلا يجده إلا في لحظةِ السكون التي تسبقُ الفجر، حين تخلو الدنيا إلا من همسِ الروح وأزيزِ المصباحِ الوحيد. أنا أتنفسه فيتنفسني، أقرؤه فيقرؤني، بل إني لا أكادُ أمسكُ بقلمي لأكتبَ حتى أجدَه قد سبقني إلى قلبي وكتبَ على جدرانه الداخلية: "ها أنذا يا ابن آدم... فاقرأني قبل أن يأكلك النسيان". ثم إني أعودُ فأقول في سري: هل أنا قارئُه أم هو قارئي؟ هل أنا سيدُ الكلمة أم الكلمةُ هي سيدتي؟ أم أننا توأمانِ انفصلنا يومَ خلق اللهُ القلمَ، فأمره فجرى بما هو كائنٌ إلى الأبد؟
أيها القارئُ الحكيم، لا تظننَّ أنَّ الكتابَ يتغيرُ بتغيرِ الأزمان، بل أنت الذي تتغيرُ. فالكتابُ كالنهرِ الجاري العذب، تشربُ منه في الصبا فتُحسُّ النشوةَ والجهلَ اللذيذ وتشربُ منه في الشباب فتُحسُّ الحكمةَ والتمردَ وتشربُ منه في الكهولة فتُحسُّ الرجوعَ إلى البدء، كأنك تسمعُ صوتَ طفولتكَ يرددُ آياتِ القراءةِ الأولى. وكالمرآةِ الصافيةِ أنتَ أمامَه، إن ضحكتَ رأيتَ في حروفِه بُشرى تليقُ بفرحك وإن بكيتَ وجدتَ فيها عزاءً كأنه دمعُ أمٍ حنون وإن حِرتَ وضللتَ طريقَكَ بين زحامِ الحياةِ رأيتَ فيها دليلاً لا يخذل. فالكتابُ لا يُقرأُ مرةً واحدةً أبدًا، بل يُقرأُ مراتٍ ومراتٍ وفي كل مرةٍ يُقرأُ كتابًا جديدًا مختلفًا، ليس لأنه تغير، بل لأنك في كل مرةٍ أنت إنسانٌ جديد، قد مات منك القديمُ ووُلِدَ منك الغريبُ الذي لم تكن تعرفه.
آهٍ من قلوبٍ لا تعرفُ القراءة! آهٍ من أوقاتٍ تَمُرُّ على البيوتِ فلا تدخلُها الكتبُ، بل تدخلُها الشاشاتُ الزائغةُ والأضواءُ الصارخةُ والضجيجُ الذي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد. إن الذين لا يقرؤون، يا للأسف العميق، يمرون على الدنيا مرَّ السحابِ الجافِّ، لا يتركون أثرًا ولا يَخلُفون نَدًى ولا يُنبتون زهرةً في طريق أحد. يعيشون أعمارًا كاملةً بالأرقام، ناقصةً بالجوهر، يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويموتون، كالدوابِّ تمامًا بل ربما كانت الدوابُّ أطيبَ حالاً، لأنها لا تعرفُ ما تفوته من كنوزِ الكلام، لأنها لم تُخلقْ لتعرفَ، أما الإنسانُ فقد خُلِقَ ليعرفَ، فإذا لم يعرفْ كان أضلَّ من بهيمةٍ تتخبطُ في ظلامٍ لا ينجلي.
أما القارئُ فهو الذي يعيشُ الأعمارَ كلَّها في عمرٍ واحدٍ قصير. يعيشُ مع المتنبي حروبَه واعتزازه وصيَهْلَ خيلِه في ميادين الشجاعة. ويعيشُ مع الجاحظِ دهاءَه وحكمتَه وطرافةَ عقله الذي لا يشيخ. ويعيشُ مع ابنِ المقفعِ كلماته الخالدةَ التي كأنها خُلِقَت من نورٍ وذهب. ويعيشُ مع الرافعيِّ عشقَه وجنونَه الذي جعلَ من الحروفِ معابدَ للجمال. ويعيشُ مع طه حسينَ كفاحَه ونورَه وصوته الذي تحدى الظلمةَ فأضاء لها دروبَ المعرفة. ويعيشُ مع نجيب محفوظ أزقةَ القاهرةِ القديمة وهمومَها الصامتة. فأيُّ عُمْرٍ هذا الذي يَسَعُ كلَّ هؤلاء؟ وأيُّ خلودٍ ذاك الذي لا تشتريه الأموالُ ولا تناله السيوفُ، بل تناله عينٌ تقرأ وقلبٌ يفهم؟
ويا عجبًا ثم يا عجبًا! كيف أنَّ أناسًا ينفقون الذهبَ على ما يَبلى ويضيعون الأوقاتَ فيما يَضرُّ، ثم يبخلون بدرهمٍ ثمنَ كتابٍ قد يغيرُ مصيرَهم إلى الأبد؟ كيف ينامون عن حكمةِ لقمانَ وعبرةِ سليمانَ ونبوءةِ المتنبي وعشقِ نزارٍ وعذوبةِ إيليا؟ وكيف يتركون أبناءهم أمامَ شاشاتٍ تبيعُهم الوهمَ وتسرقُ منهم الطفولةَ ولا يعطونهم كتابًا يزرعُ في قلوبهم بذرةَ سؤالٍ جميل؟
يا صاحبي الورقي، يا من تسكن بين كفيَّ كأنك روحٌ استقرت في محراب اليقين، يا نافذتي التي لا تُغلق في وجه العاصفة، يا أنيسي في وحدتي حين يظنُّ الناسُ أني وحدي، ويا صحبي في غربتي بين أناسٍ أتيتُهم غريبًا. كم سهرتُ معك والليلُ يُلقي عباءتَه السوداء على الدنيا والنجومُ ترمقنا من خلف السحب بعيونٍ ذهبيةٍ حائرة، كأنها تحسدنا على هذا العشقِ الذي لا تعرفه. كنتَ أنت النبضَ الذي لا يخبو والصوتَ الذي لا يُنكِر والصديقَ الذي لا يغدر والعاشقَ الذي يقرأ عيونَ معشوقته قبل أن تنطقَ بحرفٍ واحد.
في كل حرفٍ منك أجدُ بستانًا لا تذبل أزهارُه وفي كل سطرٍ أسمعُ نهرًا لا يجفُّ ماؤه وفي كل صفحةٍ أتنفسُ عمرًا كاملاً قد عاشه غيري فأهداني اياهُ. أنت وحدك من يعرفُ أن صمتي العميقَ ليس فراغًا، بل هو فيضٌ لا يحتمله الكلام. وأن حيرتي الصامتةَ ليست ضعفًا، بل هي قمةُ القوةِ حين تعترفُ بأنها لا تعرف. وأن أسئلتي المتعبةَ ليست هروبًا من الحياة، بل هي أقوى محاولةٍ لدخول الحياة من بابها الأوسع.
أيها الكتاب، أنت مرآتي التي لا تُكسَّر ولا تصدأ ولا يكذبُ زجاجُها. أراكَ فأرى نفسي دون تزيينٍ ولا تجميل، فأرى ما أحبُّ فأفرح وما أكرهُ فأحزن، ثم أقررُ أن أتغير. أقرأكَ فأقرأُ دروبي التي ضللتُها بين أوهامِ الناس وأحلامِهم وأعبرُ بكَ جسورًا كنتُ أظنها من وهمٍ فإذا هي من يقين. أنت روضتي التي لا تجفُّ أبدًا ونغمتي التي لا تبحُّ ولا تملُّ ونورتي التي لا تغربُ عن سمائي وإن أظلمت الدنيا بأسرها. وأنت أيضًا سِرّي الذي لا يُبوح به لأحد وكنزي الذي لا يُدرك بالمال وصديق لا يحتاج إلى ميعاد ولا يتأخر عن موعدٍ ولا ينسى.
أنا والكتاب، قصةُ عشقٍ لا تشيخ ولا تموت وحكايةُ روحين لا تفترقان وإن تباعدت الأجساد. هو يُعطيني الكونَ في كفِّه الصغير وأُعطيه قلبي في أوراقه المبعثرة. وبين هذا العطاء وذاك نصنعُ عالماً لا يراه إلا من عشقَ الحرفَ كما يعشقُ المحبُّ وجهَ حبيبه.
فيا أيها الإنسانُ الحائرُ المتعبُ الذي يبحثُ عن معنىً يملأ فراغَه المهول، عن حبٍّ لا يخون، عن أنسٍ لا ينقطع، عن صديقٍ لا ينام عنك ولا ينشغل بك عنك ولا يبيعك بثمنٍ بخسٍ. هلمَّ إلى عشقٍ لا يعرفُ الطلاق. هلمَّ إلى أنسٍ لا يعرفُ الملل. هلمَّ إلى صديقٍ يجلسُ معك في غربتك وفقرك ومرضك وشيخوختك ولا يطلب منك شيئًا سوى أن تفتحه. اقرأ، لا لتكون مثقفًا فقط أمام الناس، بل لتكون إنسانًا حقيقيًا أمام نفسك. اقرأ، لأن القراءةَ ليست هوايةً من هواياتِ الفراغ، بل هي وجودٌ ثانٍ تمنحه لنفسك المجروحةِ التي تستحقُ أن تعيشَ أكثر من مرة. اقرأ، لأن بين دفتيْ كتابٍ واحدٍ مهملٍ على رفٍ قديم قد يكون مفتاحُ سعادتكَ الذي بحثتَ عنه عمرًا كاملاً دون أن تدري.
أنا والكتاب، نحن أنا وأنا في لحظةِ صدقٍ لا تعرفُ التزييف. وأنا وأنت إن قرأتَ هذه الحروف. وأنت وأنت إن تركتَ الشاشةَ لحظةً ومددتَ يدك إلى أقربِ كتابٍ يجمعُ الغبارَ على رفٍ وحيد. فأين أنت من نفسك يا صاحبي؟ وأين أنت من هذا العشقِ الأبدي الذي لا يكلفُ درهماً ولا يطلبُ إلا قلباً عاشقاً؟
البعنه == الجليل
15/05/2026








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا


.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني




.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية


.. علاقة حالات الطلاق بالتمثيل رئيس أكاديمية الفنون تتحدث عن




.. خدعة السينما المصرية.. هل يمكنك أن تستيقظ لتجد حسابك في الب