الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين ثورة ، وثورة !!

حسن مدبولى

2026 / 7 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


بعد سنوات من الجدل الذي لم يتوقف، لا يزال كثيرون يتعاملون مع الأحداث الكبرى في تاريخ مصر بمنطق الأعداد لا بمنطق التاريخ. وكإن السؤال الوحيد الذي يستحق الطرح لمواجهة الآخر هو من الذى استطاع أن يحشد عددًا أكبر من الناس في الشوارع، ومن الذى آلت اليه الأمور فى النهاية !؟
بينما السؤال الأهم الذى يظل مغيبا هو ما الذي يجعل حدثًا ما ثورة حقيقية في ذاكرة الأمم ؟
فالثورات لا تُقاس بعدد المشاركين فيها فحسب، ولا حتى بنتائجها العملية ، إنما تُقاس أيضًا بطبيعة المطالب التي رفعتها، وبحجم التضحيات التي قُدمت من أجلها، وبقدرة تلك الثورات على إحداث أثر دائم في وعي المجتمع ومساره السياسي والإنساني.
ومن هذه الزاوية، يصعب تجاهل المكانة الخاصة التي تحتلها ثورة الخامس والعشرين من يناير في التاريخ المصري المعاصر، أو نفي مشروعيتها تحت عناوين ملتبسة، فقد خرج ملايين المصريين آنذاك مطالبين بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، رافعين شعارات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وبغض النظر عن المواقف اللاحقة من نتائج التجربة أو مساراتها، فإن فعاليات تلك الثورة ارتبطت بتضحيات جسيمة دفع ثمنها مواطنون آمنوا بما يطالبون به، وتحمل كثيرون منهم -ولايزالون- تبعات مواقفهم لسنوات طويلة.
وقد يختلف الناس حول تقييم ما جرى بعد ذلك، وحول أسباب الإخفاقات والأخطاء التي رافقت المرحلة، وحول المسؤوليات السياسية المختلفة عما آلت إليه الأوضاع. وهذا حق مشروع في أي مجتمع حي. لكن الاختلاف في التقييم شيء، ومحاولة إلغاء حقائق التاريخ أو التقليل من قيمة التضحيات شيء آخر تمامًا.
فالأحداث الكبرى لا تكتسب أهميتها من نهاياتها فقط، بل من الأسئلة التي تطرحها على المجتمع، ومن التحولات التي تتركها في وعي الأجيال. و25 يناير، سواء اتفق معها المرء أو اختلف، كانت لحظة دفعت ملايين المصريين إلى الانخراط في الشأن العام، وأعادت طرح قضايا الحرية والعدالة والمشاركة السياسية على نطاق غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي التعامل مع تلك التجربة باعتبارها جزءًا أصيلًا من التاريخ الوطني، لا باعتبارها مجرد تفصيل يمكن شطبه أو تجاوزه باستخدام حملات الشيطنة والترهيب من فريق آخر كان رافضا من الأساس لفكرة الثورة ، فالتاريخ الوطنى الصادق لا يُكتب بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بمنطق الاستقطاب السياسي الذي يطغى على لحظة معينة، وإنما يُكتب بميزان أكثر اتساعًا، يضع في الاعتبار الوقائع والتضحيات والأثر الباقي في وجدان الشعوب.
ولقد أثبتت السنوات الماضية أن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا تستطيع محو الأحداث المفصلية من الذاكرة الوطنية. وما يبقى في النهاية ليس ضجيج السجالات ولا حرارة الخصومات، بل الحقائق التي صمدت أمام الزمن. ومن بين تلك الحقائق أن الخامس والعشرين من يناير كان حدثًا استثنائيًا في تاريخ مصر المعاصر، وأن آلاف المصريين دفعوا أثمانًا باهظة دفاعا عن مستقبل أفضل لبلادهم وأبنائهم .
أما المستقبل ، فلن تصنعه معارك الماضي وحدها، ولاشطب حقائق التاريخ، لكن تصنعه القدرة على فهم ذلك الماضي بإنصاف، واستخلاص دروسه بصدق، واحترام تضحيات المختلفين قبل المتفقين. فالأوطان لا تتقدم حين يتنافس أبناؤها على احتكار الحقيقة أو تزييف الوقائع ، بل حين يمتلكون الشجاعة للاعتراف بتعقيد التاريخ وتراكم أحداثه ، والإنصاف في الحكم على تجاربه، والبحث عما يوحدهم أكثر مما يفرقهم، وانهاء المعادلات الصفرية المقيتة !؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إقالة ماريا بارتيرومو تثير الجدل.. هل تنضم إلى إدارة ترامب؟


.. مقترح أمريكي لإنهاء الحرب وموسكو تتوعد التصنيع العسكري في أو




.. لماذا يتجنب ترمب مصطلح -حرب- في تصريحاته بشأن إيران؟


.. عقوبات الولايات المتحدة على إيران تعيد جدل الفاعلية والأهداف




.. القوات الحكومية اليمنية: طيراننا الحربي استهدف مواقع لمليشيا