الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق، (عواصم الروح العابرة للحدود)

سالم روضان الموسوي

2026 / 7 / 2
دراسات وابحاث قانونية


الخصوصية الدستورية والعالمية للمدن المقدسة في العراق،
(عواصم الروح العابرة للحدود)
تنظر الأنظمة القانونية والدستورية الحديثة إلى المدن المقدسة على انها حالات استثنائية تتجاوز قيمتها النطاق المحلي، لتصبح مراكز استقطاب عالمية، حيث تستقبل ملايين الزوار سنوياً من مختلف الجنسيات والاعراق، ومن هذه المدن مكة المكرمة، الفاتيكان، النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، وسامراء وبعض مناطق بغداد، التي فيها مرقد الامامين المعصومين والاعظمية وفيها مرقد الامام أبو حنيفة النعمام ومرقد الشيخ عبدالقادر الكيلاني، ومرقد سلمان المحمدي في المدائن، ومقامات ومراقد الأنبياء والاولياء والصالحين، حيث يرتادها الزوار من جميع البلدان ليس لأغراض السياحة وانما للارتباط الروحي والعقائدي، لذلك لم تعد هذه المدن مجرد نقاط جغرافية تابعة لبلدانها، بل تحولت إلى حواضر عالمية تمتلك (دبلوماسية روحية) وسيادة رمزية تجعلها خارجة عن القوالب التنظيمية والضوابط الاعتيادية التي تخضع لها سائر المدن،
وتكتسب هذه المدن عالميتها من طبيعة وظيفتها، فهي ليست مراكز اقتصادية أو سياسية بالدرجة الأولى، بل هي مراكز للقيم الروحية والتاريخية للإنسانية، وهذا البعد العالمي يفرض على الدول الحاضنة لها التزام تسهيل استقبال زائريه في جميع النواحي
والتفت المشرع العراقي لهذه الخصوصية الفريدة لمدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة (إلى جانب العتبات والمقامات الأخرى)، حيث أفرد الدستور العراقي لعام 2005 نصاً صريحاً يضمن حماية هذه المدن وتطويرها، وعلى وفق احكام المادة (10) من الدستور التي جاء فيها (العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها)،
وينطوي هذا النص الدستوري على أبعاد قانونية وإدارية هامة تربط عالمية هذه المدن بالتزام مؤسسات الدولة بالاعتراف بالهوية الرمزية، حيث ان الدستور لا يتعامل مع هذه المدن على انها وحدات إدارية صرفة، بل اضفى عليها طابع (الكيانات الحضارية والدينية)، وهذا يلزم الجهات التشريعية الى سن تشريعات خاصة تلائم وضعها العالمي، فضلا عن ضمان (حرية ممارسة الشعائر) وهذا مبدأ دستوري ورد في المادة (10) من الدستور، ويعد رسالة دستورية مفتوحة للعالم، بأن هذه المدن آمنة ومتاحة لكل قاصديها، مما يرفع عن كاهلها القيود السياسية التقليدية ويجعلها حواضر عابرة للحدود،
كما تعد المدن المقدسة في العراق نموذجاً فريداً لـلعولمة الإيجابية القائمة على السلام والتواصل الإنساني، والدستور العراقي رسخ هذه الحقيقة في صلبه بوضع نص المادة (10) من الدستور عندما الزم السلطات بتهيئة البيئة التشريعية والخدمية التي تليق بمكانة هذه المدن باعتبارها منارات عالمية يقصدها ملايين البشر ومن كل الاصقاع،
الا انه وعلى الرغم الوضوح الدستوري والمكانة الروحية العابرة للقارات لهذه الحواضر، تبرز بين الحين والآخر أصوات ونزعات ضيقة تنادي بتقييد دخول غير العراقيين إلى هذه المدن، أو منعهم من الإقامة فيها لطلب العلوم الدينية في حوزاتها العريقة، أو حتى حظر دفن موتاهم في ثراها (وادي السلام بالنجف الأشرف ومقابر كربلاء المقدسة) بناءً على وصايا المتوفين للتبرك بجوار هذه العتبات المقدسة،
ويلاحظ بان هذه الدعوات التي تستند غالباً إلى دوافع قومية، أو تصفية حسابات وخلافات عقائدية وسياسية ضيقة، تمثل اتجاهات فكرية تتناقض مع طبيعة هذه المدن لأسباب متعددة منها الاتي:
1. مخالفة المفهوم الإسلامي والإنساني للمقدسات، لان العتبات المقدسة ليست ملكاً جغرافياً أو قومياً حصرياً لسكان بقعة معينة، بل هي ملك للأمة الإسلامية والإنسانية، والتضييق على زوارها أو طلاب العلم فيها بدواعي الجنسية هو هدم لجوهر فكرة (المسجد) أو(العتبة) التي جعلها الله مثابة للناس وملاذاً للأمان
2. المخالفة الصريحة لنص المادة (10) من الدستور عندما جعلت (ضمان حرية ممارسة الشعائر فيها) واجباً على مؤسسات الدولة بجميع سلطاتها، وهذا النص لم يربط هذا الضمان بجنسية معينة، وانما جاء بشكل مطلق يتعلق بأداء الشعائر ومنها طلب العلم الديني، او الزيارة، وحتى دفن الموتى رغبةً في التبرك، وهذه كلها تدخل في صلب الممارسة الشعائرية والروحية التي كفلها الدستور للجميع بلا تمييز.
3. هذه الأصوات المحتجة والمعارضة ستؤدي الى إفقاد المدن ميزتها التنافسية العالمية، لان قوة مدن النجف وكربلاء التاريخية والكاظمية المقدسة والاعظمية والمدائن، تكمن في تعدديتها الجاذبة وعالميتها، حيث تلتقي فيها العقول والقلوب من الهند، وإيران، وباكستان، ولبنان، ودول الخليج، وأفريقيا، فاذا جعلناها مدن محلية مغلقة، فهذا إفقار واضعاف لمكانتها العلمية والحضارية، وإضعاف للدبلوماسية الروحية التي يتمتع بها العراق عالمياً،
وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة تصاعد هذه الأصوات بالاحتجاج على وجود بعض مراجع الدين وطلاب العلم من جنسيات متعددة في هذه المدن المقدسة، مثلما حصل عند التشييع العفوي والمهيب للمرجع الفياض طاب ثراه، وكذلك الأصوات تصاعدت هذه الأيام عندما سعت دولة ايران الإسلامية الى تنفيذ وصية الشهيد الخامنئي في تشييعه في المراقد المقدسة في العراق،
لذلك فان محاولة إقحام الخلافات السياسية أو النعرات القومية في إدارة شؤون المدن المقدسة يشكل خطراً على السلم المجتمعي والدولي، لان الأوطان تُبنى بالحدود، أما المقرات الروحية فحدودها القلوب،
ومنع إنسان من مجاورة إمامه أو دفن عزيز له في أرض يراها مقدسة بسبب هوية جواز سفره، هو ارتداد عن قيم الكرم العراقي الأصيل وقيم الدين الحنيف،
وفي الختام لابد من تذليل العقبات أمام ضيوف هذه المدن، سواء وفدوا زواراً، أو طلاباً يجثون في أروقة مدارسها الدينية، أو راحلين تحتضنهم أرضها، هو واجب وطني ودستوري، وعلى صناع القرار الحذر من هذه الأصوات الإقصائية، والعمل على ترسيخ مكانة العراق على انه القلب النابض للعالم الروحي، يفتح ذراعيه لكل قاصد دون النظر لعرق أو جنسية،
قاضٍ متقاعد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع