الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين فيورباخ وسبينوزا: من نقد الإله الشخصي إلى نقد الجوهر الميتافيزيقي
أحمد الجوهري
مهندس مدني *مهندس تصميم انشائي* ماركسي-تشومسكي|اشتراكي تحرري
(Ahmed El Gohary)
2026 / 7 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يُنظر إلى باروخ سبينوزا عادةً بوصفه أحد أبرز الفلاسفة الذين وجهوا ضربة قوية إلى مفهوم الإله الشخصي السائد في الأديان الإبراهيمية. فقد رفض تصور الإله بوصفه كائنًا متعاليًا، منفصلًا عن العالم، يمتلك إرادة شخصية ويتدخل في مجريات الطبيعة، واستبدل بذلك مفهومًا آخر يتمثل في مقولته الشهيرة: "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura)، حيث تصبح الطبيعة والإله تعبيرين عن جوهر واحد.
وقد رأى لودفيغ فيورباخ في هذا التحول إنجازًا فلسفيًا بالغ الأهمية، لأنه مثل خطوة كبيرة في تجاوز التصور اللاهوتي التقليدي للإله. غير أن هذا التقدير لم يمنعه من توجيه نقد جذري إلى فلسفة سبينوزا، وخاصة إلى مفهوم الجوهر الذي تقوم عليه.
يرى فيورباخ أن الجوهر عند سبينوزا يظل مفهومًا ميتافيزيقيًا مجردًا، وليس واقعًا ماديًا ملموسًا. ومن ثم، فإن استبدال الإله الشخصي بمفهوم "الجوهر" أو "الطبيعة" لا يمثل، في نظره، قطيعة كاملة مع اللاهوت، بل مجرد استبدال لمسمى بآخر يؤدي الوظيفة الفلسفية نفسها. فبدلًا من الإله الشخصي المتعالي على العالم، أصبح لدينا جوهر ميتافيزيقي متعالٍ على جميع الموجودات، تنبثق عنه الأشياء بوصفها أطوارًا أو أنماطًا له.
ومن هنا جاء شعار فيورباخ الشهير: "ليس الله أو الطبيعة، بل إما الله أو الطبيعة" (Aut Deus aut Natura). فبالنسبة إليه، لا يوجد مبرر فلسفي للجمع بين المفهومين. فإذا كانت الطبيعة قادرة على تفسير ذاتها بذاتها، فإن الإبقاء على لفظ "الله" لا يؤدي أي وظيفة فلسفية حقيقية، بل يمثل بقايا من اللغة اللاهوتية داخل البناء الفلسفي.
وفي تقديري، فإن هذه النقطة تمثل أحد أقوى الانتقادات التي وجهها فيورباخ إلى سبينوزا. فإذا كانت الطبيعة عند سبينوزا فاعلة بذاتها، فلا يبدو أن هناك ضرورة فلسفية للإبقاء على مفهوم "الله"، حتى وإن كان هذا المفهوم قد أُعيد تعريفه تعريفًا مختلفًا عن التصور الديني التقليدي.
وترتبط هذه الإشكالية بمشكلة أخرى أكثر عمقًا، وهي مفهوم الجوهر نفسه. إذ يرى سبينوزا أن جميع الموجودات، بما فيها الإنسان، والحيوان، والنبات، والطبيعة بأسرها، بل والحركة والسكون أيضًا، ليست سوى أنماط أو أطوار لذلك الجوهر الواحد. أما فيورباخ، فيرفض الانطلاق من افتراض وجود جوهر ميتافيزيقي ثابت، ويرى أن الفلسفة ينبغي أن تبدأ من الإنسان الواقعي والطبيعة الملموسة، لا من بناء ميتافيزيقي مجرد يُفترض أنه الأصل الذي يصدر عنه كل شيء.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن سبينوزا نجح في هدم اللاهوت اليهودي والمسيحي التقليدي في عصره، لكنه، من وجهة نظر فيورباخ، أقام مكانه لاهوتًا ميتافيزيقيًا جديدًا تحت اسم "الجوهر". لذلك لم يرَ فيورباخ في فلسفة سبينوزا خروجًا كاملًا من الإطار اللاهوتي، وإنما إعادة صياغة له بلغة فلسفية.
وعلى النقيض من ذلك، تقوم فلسفة فيورباخ على رد جميع الظواهر إلى الإنسان والطبيعة والعالم المادي. ومن أشهر أطروحاته أن فكرة الله ليست سوى إسقاط أو انعكاس لجوهر الإنسان خارج ذاته، وأن الإنسان هو الذي يخلق الآلهة في وعيه، لا العكس. ومن ثم، فإن تفسير العالم ينبغي أن يستند إلى العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، مثل الأنثروبولوجيا والآثار والتاريخ، بدلًا من اللجوء إلى كيانات ميتافيزيقية تُستخدم لتفسير الواقع.
ولا يهدف هذا المقال إلى الانتصار لأحد الموقفين أو تبنيهما، وإنما إلى عرض أحد أهم أوجه النقد الذي وجهه فيورباخ إلى فلسفة سبينوزا، خاصة أن كثيرًا من المعاصرين يعلنون تبنيهم لفكرة "إله سبينوزا" دون التوقف أمام الاعتراضات الفلسفية الجوهرية التي أثارها فيورباخ ضد هذا التصور. ومن ثم، فإن العودة إلى هذا الجدل تمثل فرصة لإعادة التفكير في مدى نجاح سبينوزا في تجاوز اللاهوت، أو ما إذا كان قد أعاد إنتاجه في صورة ميتافيزيقية جديدة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عاجل | أكسيوس: الجيش الأميركي ينفذ ضربات على أهداف إيرانية ف
.. عاجل | وزير الدفاع الأميركي: إيران اتخذت خيارا سيئا وهي الآن
.. عاجل | القيادة المركزية الأمريكية تعلن بدء جولة ضربات جديدة
.. عاجل | التلفزيون الإيراني: دوي انفجارات في مدينتي بندر عباس
.. نذر مواجهة شاملة.. تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران بالمنطقة