الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يفاوض العراق من موقع الضعف
سهام يوسف علي
2026 / 7 / 4الادارة و الاقتصاد
في السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لوم تركيا لأنها تفاوض بقوة أو تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب، فهذه هي وظيفة أي دولة تحسن إدارة مصالحها الاستراتيجية. أما السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون فهو: كيف وصل العراق إلى مرحلة يدخل فيها مفاوضات مصيرية وهو في موقع دفاعي، فيما يمسك الطرف الآخر بمعظم أوراق الضغط؟
المفاوضات الجارية بين بغداد وأنقرة بشأن اتفاقية نقل النفط ليست مجرد نقاش فني حول خط أنابيب كركوك – جيهان، بل هي إعادة رسم للعلاقة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين بعد انتهاء الاتفاقية الموقعة عام 1973. فتركيا ترفض تمديد الاتفاقية القديمة، لأنها ترى أن قرارات التحكيم الدولي وما رافقها من نزاعات غيّرت قواعد اللعبة، ولذلك تريد اتفاقاً جديداً يمتد من خمس إلى عشر سنوات، يضمن مصالحها ويجنبها تكرار الخلافات السابقة.
لكن أخطر ما يطرح على طاولة التفاوض هو مطالبة أنقرة بإدراج بند يلزم العراق بدفع رسوم مالية عن الطاقة الاستيعابية غير المستخدمة في خط الأنابيب. وإذا قُبل هذا الشرط، فلن يدفع العراق مقابل النفط الذي يصدره فحسب، بل سيدفع أيضاً عن الكميات التي لا يصدرها، وهو ما يمنح تركيا مورداً مالياً ثابتاً، ويضيف عبئاً جديداً على المالية العراقية.
وتدرك أنقرة أن عامل الوقت يعمل لصالحها. فمع اقتراب انتهاء الاتفاقية في السابع والعشرين من تموز، تلوّح بإيقاف تدفقات النفط إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد، مستثمرة حاجة العراق إلى استمرار الصادرات النفطية لتغذية الموازنة العامة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في براعة المفاوض التركي، بل في هشاشة البيئة التي يفاوض منها العراق. فمنذ عام 2003 لم ينجح العراق في بناء سياسة نفطية مستقرة وموحدة، بل ظل ملف النفط ساحة للصراعات بين بغداد وأربيل، الأمر الذي أضعف الموقف العراقي، ومنح الأطراف الخارجية فرصة للاستفادة من هذا الانقسام.
غير أن تحميل المسؤولية للظروف أو لتعقيدات الملف النفطي وحدها لا يكفي. فالجذر الحقيقي للمشكلة يكمن في الطبقة السياسية التي أدارت الدولة منذ عام 2003. فهذه الطبقة لم تنجح في بناء سياسة نفطية وطنية مستقرة، ولم تؤسس مؤسسات قادرة على إدارة الثروة بعيداً عن المحاصصة والتجاذبات الحزبية، بل جعلت من الملفات السيادية ساحات للصراع على النفوذ وتقاسم المكاسب.
ولم يكن الخلاف بين بغداد وأربيل قدراً محتوماً، بل كان نتيجة مباشرة لعجز الحكومات المتعاقبة عن إنتاج حلول دستورية وقانونية دائمة، فظل ملف النفط رهينة الأزمات المؤجلة، إلى أن تحولت تلك الأزمات إلى أوراق تفاوض بيد الآخرين.
والأخطر أن هذه الطبقة السياسية انشغلت بتقاسم عوائد النفط أكثر من انشغالها بحماية أدوات إنتاجه وتصديره. فلم تعمل على تنويع منافذ التصدير، ولم تستثمر سنوات الوفرة المالية في بناء بدائل استراتيجية تقلل من قدرة أي طرف خارجي على ممارسة الضغوط، حتى أصبح العراق، وهو أحد أكبر منتجي النفط في العالم، يدخل مفاوضات مصيرية وهو يخشى توقف منفذ واحد للتصدير.
لهذا، فإن ضعف الموقف التفاوضي العراقي اليوم ليس نتيجة براعة المفاوض التركي وحدها، بل هو الثمن الذي يدفعه العراق بعد أكثر من عقدين من سوء الإدارة، وغياب التخطيط، وهيمنة الحسابات الحزبية على القرارات السيادية. وما يحدث اليوم ليس أزمة اتفاقية نفطية فحسب، بل مرآة تعكس حصيلة إدارة سياسية أهدرت الكثير من عناصر قوة الدولة، حتى أصبح الآخرون يفاوضون العراق من موقع القوة، بينما يفاوض هو من موقع الحاجة.
كما أن اعتماد العراق على منفذ رئيسي واحد لتصدير جزء مهم من نفطه جعل هذا الخط يتحول من ورقة قوة إلى ورقة ضغط. فكلما ازدادت حاجة العراق إلى هذا المنفذ، ازدادت قدرة الطرف الآخر على فرض شروطه. وكان بالإمكان تقليل هذا الاعتماد عبر تنويع منافذ التصدير وبناء بدائل استراتيجية، إلا أن سنوات طويلة ضاعت في الخلافات الداخلية والتأجيل.
ويضاف إلى ذلك أن بغداد دخلت المفاوضات تحت ضغط الزمن، رغم أن موعد انتهاء الاتفاقية كان معروفاً منذ سنوات. ومن يدخل أي تفاوض وهو يلاحق المواعيد النهائية، غالباً ما يكون أكثر استعداداً لتقديم التنازلات من الطرف الذي يملك الوقت والبدائل.
ولا يمكن إغفال أن الملفات القانونية ما زالت تلقي بظلالها على المفاوضات. فرغم أن العراق حقق حكماً مهماً في قضية التحكيم الأولى، فإن استمرار النزاعات القانونية وعدم حسم العلاقة النفطية مع إقليم كردستان جعلا الملف أكثر تعقيداً، وأتاحا لأنقرة مساحة أوسع للمناورة.
في المقابل، ينبغي أيضاً عدم المبالغة في تصوير الموقف التركي على أنه تفوق مطلق. فتركيا ليست في غنى عن النفط العراقي، وهي تسعى إلى ترسيخ موقعها كممر إقليمي للطاقة نحو أوروبا، لذلك فإن تشددها جزء من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تعظيم المكاسب، وليس بالضرورة مقدمة لإغلاق الخط بصورة نهائية. كما أن بعض الأرقام المتداولة بشأن الخسائر أو الطاقات التشغيلية أو التعويضات تدخل في إطار الخطاب التفاوضي المتبادل، وينبغي التعامل معها بحذر حتى تتضح نتائج المفاوضات.
الخلاصة أن العراق لا يواجه اليوم أزمة أنبوب نفط فحسب، بل يواجه نتيجة سنوات من غياب الرؤية الاستراتيجية والانقسام في إدارة أهم ثروة يملكها. فتركيا تدخل المفاوضات وهي تمتلك استراتيجية واضحة وأهدافاً محددة وأوراق ضغط فعالة، بينما يدخل العراق المفاوضات وهو يحاول معالجة تراكمات سنوات من الخلافات وسوء إدارة الملف النفطي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة - أوراق ضغط المضيق وعبور النفط -سرا-.. كيف تؤثر
.. نقاش الساعة - من الميدان إلى الاقتصاد.. تفكيك -المتاهة التفا
.. ساعة حوار | خبيران: الحرب الاقتصادية والعسكرية لن تكفي لإسقا
.. ساعة حوار | الفك: إيران تستخدم هرمز كورقة ضغط في مواجهة استر
.. نافذة اقتصادية | موجات الحر والجفاف تهدد أوروبا بخسائر تقدر