الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ماركس ونقد المثالية الهيجلية: كيف أوقف الديالكتيك على قدميه؟

أحمد الجوهري
مهندس مدني *مهندس تصميم انشائي* ماركسي-تشومسكي|اشتراكي تحرري

(Ahmed El Gohary)

2026 / 7 / 4
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أن كارل ماركس كان في شبابه منتميًا إلى تيار الهيجليين الشبان، أو ما عُرف لاحقًا باسم اليسار الهيجلي، إلى جانب لودفيغ فيورباخ، وفريدريك إنجلز، وبرونو باور وغيرهم. وقد انطلق ماركس من الفلسفة الهيجلية نفسها، لكنه انتهى إلى نقدها نقدًا جذريًا، وخاصة في كتابه الشهير "نقد فلسفة الحق عند هيجل".

ولعل أشهر تعبير يلخص هذا التحول هو ما ذكره ماركس لاحقًا في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب "رأس المال"، عندما أوضح أنه قلب الديالكتيك الهيجلي بعد أن كان "واقفًا على رأسه"، ليصبح "واقفًا على قدميه". وهذه العبارة ليست مجرد استعارة بلاغية، وإنما تعبر عن انقلاب كامل في المنهج الفلسفي.

ولتقريب الفكرة يمكن تشبيه الفلسفة بإنسان يمشي على قدميه. فالمثالية الهيجلية، من وجهة نظر ماركس، جعلت هذا الإنسان يسير ورأسه إلى أسفل وقدماه إلى أعلى، أي جعلت الفكر هو الأصل الذي ينتج الواقع. أما ماركس فقد أعاد الأمور إلى طبيعتها، فاعتبر أن الواقع المادي والاجتماعي هو الأصل، وأن الأفكار ليست سوى نتاج لهذا الواقع.

وأهم أوجه نقد ماركس لفلسفة هيجل يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولًا، رأى ماركس أن هيجل قلب العلاقة بين الفكر والواقع. فقد اعتبر هيجل أن الفكرة، أو الروح المطلقة، هي الأصل، وأن الطبيعة والمجتمع والدولة والتاريخ ليست إلا تجليات لها. أما ماركس فرفض هذا التصور، ورأى أن الأفكار لا تخلق العالم، وإنما العالم المادي والاجتماعي هو الذي ينتج الأفكار. ولهذا كتب في "الأيديولوجيا الألمانية": "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم."

ثانيًا، انتقد ماركس تحويل هيجل للمجردات إلى ذوات مستقلة. ففي فلسفة هيجل تبدو مفاهيم مثل الدولة، والعقل، والإرادة العامة، والروح المطلقة وكأنها كيانات قائمة بذاتها تمارس الفعل التاريخي، بينما يرى ماركس أن الفاعل الحقيقي هو الإنسان. فالدولة ليست ذاتًا مستقلة تمتلك إرادة فوق إرادة الأفراد، ولا العقل يحكم بنفسه، ولا الروح المطلقة هي التي تصنع التاريخ، بل البشر هم الذين يصنعونه.

ثالثًا، رأى ماركس أن هيجل منح الدولة مكانة فلسفية عليا، فاعتبرها أعلى تجسد للعقل والأخلاق، والتعبير الأسمى عن الحرية الموضوعية. أما ماركس فرفض النظر إلى الدولة باعتبارها كيانًا ميتافيزيقيًا أو سلطة تعلو على المجتمع، ورأى أنها نتاج للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة داخله.

رابعًا، انتقد ماركس الطريقة التي قلب بها هيجل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. ففي حين جعل هيجل الدولة هي الأصل، والمجتمع المدني مجرد لحظة داخلها، رأى ماركس أن المجتمع المدني، بما يتضمنه من علاقات إنتاج، وأنماط ملكية، وبنية طبقية، هو الذي ينتج الدولة، وليس العكس.

خامسًا، انتقد ماركس تصور هيجل للبيروقراطية باعتبارها ممثلة للمصلحة العامة. فالبيروقراطية، في نظر ماركس، تتحول إلى فئة لها مصالحها الخاصة، لكنها تقدم هذه المصالح باعتبارها مصالح المجتمع كله، وهو ما يؤدي إلى تحويل الدولة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية قائمة بذاتها.

سادسًا، رفض ماركس دفاع هيجل عن الملكية الدستورية. فقد رأى هيجل أن الملك يجسد وحدة الدولة، بينما اعتبر ماركس أن هذا ليس سوى تبرير فلسفي لنظام يقوم على الوراثة. ولهذا طرح سؤالًا استنكاريًا مفاده: إذا كانت الدولة عقلانية، فلماذا يكون ميلاد شخص في أسرة معينة شرطًا لعملها؟

سابعًا، وجه ماركس نقدًا جذريًا إلى منهج هيجل نفسه. فبينما يبدأ هيجل من المفاهيم المجردة ثم يفسر الواقع في ضوئها، يبدأ ماركس من الواقع المادي الملموس، ثم يستخلص منه المفاهيم. ولذلك رأى أن هيجل كثيرًا ما يُخضع الواقع لأفكاره، بدلًا من أن يستمد أفكاره من تحليل الواقع.

ثامنًا، رفض ماركس استخدام مقولة هيجل الشهيرة: "كل ما هو واقعي فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي" بوصفها مبررًا للنظام القائم. فالفلسفة، في نظر ماركس، ليست مهمتها تبرير الواقع، ولا حتى الاكتفاء بتفسيره، وإنما تغييره. ولهذا كتب في أطروحاته حول فيورباخ: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، أما المطلوب فهو تغييره."

تاسعًا، اختلف ماركس مع هيجل في مفهوم الحرية. فبينما رأى هيجل أن الحرية تتحقق داخل الدولة باعتبارها التجسد الأعلى للحياة الأخلاقية، رأى ماركس أن الحرية لا تتحقق بمجرد الاعتراف القانوني بها، وإنما تحتاج إلى شروط مادية واجتماعية حقيقية، لأن الإنسان الواقع تحت الفقر والاستغلال لا يكون حرًا بالمعنى الفعلي.

عاشرًا، أعاد ماركس الإنسان إلى مركز الفلسفة. فبدلًا من الانطلاق من الروح المطلقة أو الأفكار المجردة، بدأ تحليله من الإنسان الواقعي، ومن العمل، والطبيعة، والإنتاج، والعلاقات الاجتماعية، ثم انتقل إلى تفسير الأفكار بوصفها نتاجًا لهذه الشروط المادية.

الحادي عشر، انتقد ماركس القراءة المثالية للتاريخ عند هيجل. فقد رأى هيجل أن التاريخ هو المسار الذي تزداد فيه الروح المطلقة وعيًا بحريتها، بينما رأى ماركس أن التاريخ ليس حركة لأفكار مجردة أو لروح ميتافيزيقية، وإنما هو تاريخ الصراعات المادية والاجتماعية، وعلى رأسها الصراع بين الطبقات.

وأخيرًا، لم يرفض ماركس الديالكتيك الهيجلي نفسه، بل احتفظ به بعد أن حرره من إطاره المثالي. فإذا كان هيجل يرى أن حركة التاريخ تنبع من تطور الأفكار وتناقضاتها، فإن ماركس رأى أن مصدر الحركة الجدلية هو التناقضات المادية داخل المجتمع، وعلى رأسها التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبين الطبقات الاجتماعية.

وبذلك يمكن القول إن ماركس لم يرفض هيجل رفضًا مطلقًا، بل انطلق من إنجازه الفلسفي، وأعاد صياغته على أسس مادية. ولهذا ظل الديالكتيك حاضرًا في فلسفة ماركس، لكنه لم يعد جدلًا بين الأفكار، وإنما أصبح جدلًا بين الوقائع والعلاقات المادية التي تشكل التاريخ والمجتمع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اجتماع عسكري أمريكي في بيروت يمهد لاجتماع روما فهل يبدأ تنفي


.. شاهد على العصر - حافظ الأسد في أيامه الأخيرة




.. فقرة تحليلية | هل يرسم خطاب المرشد مجتبى خامنئي ملامح مرحلة


.. جماهير الأرجنتين تشعل أجواء كانساس سيتي قبل مواجهة سويسرا




.. انهيار شبكة الكهرباء في كوبا للمرة الثانية خلال 4 أيام