الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ولماذا يظهر التناقض في الهجرة إلى الغرب؟

حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)

2026 / 7 / 4
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من أكثر الإشكاليات الفكرية تعقيدًا في النقاشات المعاصرة هو الخلط بين الإسلام كدين يحمل منظومة قيم روحية وأخلاقية، وبين الممارسات الأيديولوجية لبعض من ينتسبون إليه ويستخدمونه كأداة للسلطة أو الهوية أو الصراع. هذا الخلط جعل صورة الإسلام في الوعي العام تُختزل أحيانًا في سلوكيات جماعات أو أفراد، بدل أن تُفهم في سياقها التاريخي والفكري الواسع.

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع الدعوي أو الهجوم الأيديولوجي، بل بمحاولة تفكيك كيف يمكن لخطاب ديني أن يتحول إلى أداة تشويه ذاتي حين يُختزل في ممارسات بشرية منحرفة عن مقاصده.



أولًا: حين يتحول الدين من رسالة إلى أيديولوجيا

في الأصل، يقوم الدين على منظومة قيم مثل العدل، الرحمة، المسؤولية الأخلاقية، وإعمار الأرض. لكن حين يدخل الدين في مجال الصراع السياسي أو الهويات المغلقة، يتحول تدريجيًا إلى أيديولوجيا تستخدم النصوص لتبرير مواقف جاهزة بدل أن تكون مصدرًا للتأمل الأخلاقي.

في هذا السياق، ظهرت تيارات يمكن وصفها بـ”المتأسلمة”، لا بمعنى التدين، بل بمعنى تحويل الدين إلى هوية صلبة تُستخدم للإقصاء أو السيطرة أو احتكار الحقيقة.



ثانيًا: احتكار الفهم وإلغاء التعدد

من أبرز ملامح هذا التحول أن بعض الخطابات ادعت امتلاك الفهم الوحيد الصحيح للدين، متجاهلة قرونًا من التعدد الفقهي والاجتهادات المختلفة.

هذا الاحتكار يؤدي إلى:

* تضييق مساحة الاجتهاد.
* اعتبار الاختلاف انحرافًا لا تنوعًا.
* تحويل النقاش الفكري إلى صراع عقائدي.
* إنتاج ثقافة الطاعة بدل النقد.

بينما التاريخ الإسلامي نفسه شهد تنوعًا واسعًا في المدارس الفكرية والفقهية، كان يُنظر إليه تقليديًا كثراء معرفي لا كتهديد.



ثالثًا: اختزال الدين في الشكل وإهمال الجوهر

أحد أخطر التشوهات يتمثل في تحويل التدين إلى مظاهر خارجية: اللباس، الشعائر الشكلية، والرموز الظاهرة، مع تراجع الاهتمام بالقيم الأساسية مثل العدل، الأمانة، ومقاومة الظلم.

هذا الاختزال يجعل الدين يبدو وكأنه هوية بصرية، بينما جوهره الأخلاقي يتراجع في الواقع الاجتماعي. والنتيجة أن الناس قد يرون تناقضًا بين الخطاب والسلوك، ما يؤدي إلى أزمة ثقة في الخطاب الديني نفسه.



رابعًا: توظيف الدين في السياسة وإنتاج صورة مشوهة

حين يُستخدم الدين لتبرير السلطة أو الصراع السياسي، يفقد جزءًا من استقلاله الأخلاقي. فبدل أن يكون معيارًا لنقد الحاكم أو المجتمع، يصبح وسيلة لتبرير الواقع القائم.

كما أن استخدام النصوص لتبرير العنف أو الإقصاء أو قمع المعارضة يجعل الدين في الوعي العام مرتبطًا بهذه الممارسات، حتى لو كانت في الأصل نتاج تأويلات بشرية محددة.



خامسًا: صناعة العدو وإغلاق أفق التفكير

تعتمد بعض الخطابات المتشددة على تقسيم العالم إلى ثنائيات حادة: نحن/هم، مؤمن/كافر، حق/باطل. هذا البناء الذهني يُنتج عقلية صدامية لا ترى العالم مساحة تعايش بل ساحة صراع دائم.

ومع الوقت، يتحول الاختلاف إلى تهديد، ويصبح الحوار مستبدلًا بالتخوين أو الإقصاء، ما يعمّق الانغلاق الفكري.



سادسًا: الهجرة إلى الغرب والتناقض الظاهري

من أكثر النقاط التي تثير الجدل أن بعض الأفراد أو الخطابات التي تنتقد المجتمعات الغربية بشدة بوصفها “منحرفة” أو “غير أخلاقية”، تسعى في الوقت نفسه إلى الهجرة إليها والاستفادة من أنظمتها.

هذا لا يتعلق بالهجرة نفسها، فهي حق إنساني مشروع ودافعها غالبًا اقتصادي أو تعليمي أو أمني، بل يتعلق بالتناقض في الخطاب: كيف يمكن رفض منظومة قيم في الخطاب العلني، ثم الاعتماد عليها في الواقع المعيشي؟

الواقع أن المجتمعات الغربية تقوم على مبادئ مثل:

* سيادة القانون.
* المساواة أمام المؤسسات.
* حرية المعتقد.
* ضمان الحقوق المدنية.

وهذه المبادئ نفسها هي التي تجعلها بيئة جاذبة للهجرة. لكن بعض الخطابات الأيديولوجية لا تتعامل مع هذه القيم بوصفها أساس النظام، بل كـ”أدوات يمكن استخدامها دون الالتزام بها”.

هنا يظهر التناقض: الاستفادة من النظام دون قبول منطلقاته، أو المطالبة بالحقوق كاملة مع رفض المبادئ التي تضمنها.

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين هذا النمط من الخطاب وبين ملايين المسلمين في الغرب الذين يندمجون في مجتمعاتهم، يحترمون قوانينها، ويحتفظون بهويتهم الدينية دون صدام مع القيم العامة. التعميم في هذه القضية يخلق صورة غير دقيقة ويزيد الاستقطاب بدل الفهم.



سابعًا: المعرفة بين القبول والرفض الانتقائي

عرفت الحضارة الإسلامية فترات ازدهار علمي وفلسفي كبير، لكن بعض التيارات المتشددة في العصر الحديث تبنت موقفًا انتقائيًا من المعرفة: قبول ما يخدم التصور المسبق، ورفض ما يفتح باب النقد أو إعادة النظر.

هذا الموقف يؤدي إلى تعطيل الاجتهاد، وإضعاف القدرة على التعامل مع التحولات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.



ثامنًا: أثر العنف في تشكيل الصورة العامة

ظهور جماعات استخدمت العنف باسم الدين أسهم بشكل كبير في تشكيل صورة سلبية في الوعي العالمي عن الإسلام. ورغم أن هذه الجماعات لا تمثل الإسلام كدين، فإن استخدامها للرمزية الدينية يجعل الفصل بينها وبين الدين في الوعي العام أكثر صعوبة.

ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين:

* النصوص الدينية.
* التأويلات الأيديولوجية.
* الممارسات السياسية والعسكرية.



خاتمة: بين الدين والتأويل

إن الإشكال الأساسي لا يكمن في الدين ذاته، بل في كيفية تحويله إلى أيديولوجيا مغلقة أو أداة سياسية أو هوية صراعية. وفي المقابل، فإن اختزال المشكلة في “الدين” نفسه يؤدي إلى ظلم فكري آخر لا يقل خطورة.

الفهم الدقيق يتطلب التمييز بين الإسلام كنص وقيم، وبين التدين كفعل بشري متعدد، وبين الاستخدام السياسي للدين كظاهرة تاريخية واجتماعية.

وفي النهاية، لا يمكن بناء نقاش جاد حول هذه القضايا دون الابتعاد عن التعميم، والاقتراب من التحليل الهادئ الذي يميز بين الفكرة وتطبيقها، وبين المبدأ وسلوك من يدّعي تمثيله.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عاجل | أكسيوس: الجيش الأميركي ينفذ ضربات على أهداف إيرانية ف


.. عاجل | وزير الدفاع الأميركي: إيران اتخذت خيارا سيئا وهي الآن




.. عاجل | القيادة المركزية الأمريكية تعلن بدء جولة ضربات جديدة


.. عاجل | التلفزيون الإيراني: دوي انفجارات في مدينتي بندر عباس




.. نذر مواجهة شاملة.. تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران بالمنطقة