الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية- بقلم الطاهر كردلاس

الطاهر كردلاس

2026 / 7 / 5
عالم الرياضة


"من ملاعب الفرجة الى ملاعب التنمية"
بقلم الطاهر كردلاس

ليست المشكلة في كرة القدم، ولا في الملاعب، ولا في أن يجد شعبٌ في انتصار منتخبِه لحظةً يستعيد فيها شيئًا من كرامته الرمزية. فالمجتمعات تحتاج إلى الفرح كما تحتاج إلى الخبز، وإلى الأسطورة كما تحتاج إلى المؤسسة. لكن المأساة تبدأ حين تتحول الأسطورة إلى سياسة، والفرجة إلى عقيدة، والمشهد إلى بديلٍ عن التاريخ.
فليست الحضارات ما تُشيِّده الأيادي وتبنيه السواعد، بل ما تُخفيه الأولويات والقواعد. فكلُّ حجرٍ يرتفع يحمل في جوفه سؤالًا عن حجرٍ آخر لم يُرفع، وكلُّ مشروعٍ يسطع في المشهد العام يُلقي، في الجهة المقابلة، ظلًّا كثيفًا على ما اختير له أن يبقى خارج الضوء. لذلك لا تُقرأ السياسة في خطاباتها، بل في هندسة الصمت؛ ولا يُفهم الاقتصاد من دفاتر الحساب، بل من الجغرافيا التي تتجه إليها الثروة.
فالأوطان لا تكشف حقيقتها فيما تبنيه، بل فيما تؤجل بناءه، لأن السلطة، في نهاية المطاف، ليست فنَّ تشييد العمران، بل فنَّ توزيع الضوء والغياب..
ثمة أوطانٌ لا تُشيِّد ما تحتاجه، بل تحتاج ما تُشيِّده. هناك يصبح الحجر أكثر مواطنةً من الإنسان، وتتحول الخرائط إلى مرايا للرؤية لا إلى خرائط للحياة. فالأنظمة السياسية لا تعيد ترتيب المجال فحسب، بل تعيد ترتيب الإدراك ذاته، حتى يغدو اللامع حقيقة، ويصبح الضروري هامشًا، ويغدو ما يُرى أكثر واقعيةً مما يُعاش.
الإسمنت ليس مادةً هندسية، بل لغةٌ سياسية. كلُّ جدارٍ يرتفع يخفض سؤالًا، وكلُّ مدرجٍ يتسع يضيق معه فضاءٌ آخر لا تلتقطه الكاميرات. فالميزانية ليست جدولًا للأرقام، بل سيرةٌ أخلاقية للدولة؛ تكشف من يُمنح المستقبل، ومن يُؤجَّل إلى الهامش. وكلُّ درهمٍ يُصبُّ في معبدٍ للفرجة، هو في الوقت نفسه، درهمٌ يُسحب من مدرسة، أو مستشفى، أو مختبر، أو طريقٍ ينقذ قريةً من العزلة.
إن أخطر أشكال الفقر ليس نقص المال، بل وفرة الوهم. فحين تستبدل الدولة اقتصاد الإنتاج باقتصاد الصورة، لا تعود تستثمر في الإنسان، بل في الانطباع. تصبح التنمية هندسةً للانبهار، لا أخلاقًا للعمران؛ وتغدو الواجهة أهم من الأساس، والضوء أسبق من الحقيقة.
هنا لا يعود المشهد بريئًا. فالسلطة التي تعجز عن إنتاج العدالة، تُتقن إنتاج الاحتفال. وحين يضيق الواقع عن حمل الوعود، يُوسَّع المسرح حتى يبتلع الوقائع. عندئذٍ يغدو التصفيق رأسمالًا رمزيًا، ويصبح الانتصار الرياضي عملةً نفسية تُعوِّض عجز الاقتصاد عن إنتاج الكرامة. فلا يعود الجمهور يسكن المدرجات، بل المدرجات هي التي تسكن الجمهور.
كلُّ تصفيقٍ طويل هو، في مكانٍ آخر، صمتٌ أطول.
فالسلطة لا تحتاج إلى قمع الأسئلة دائمًا؛ يكفيها أن ترفع صوت المشهد حتى يبدو السؤال نفسه خارج الإيقاع. إنها لا تُخفي الحقيقة، بل تُغرقها في فائضٍ من الضوء، حيث يصبح اللمعان أكثر إقناعًا من المعنى، ويغدو البريق ستارًا لا مرآة.
ليست الملاعب سوى استعارةٍ كبرى؛ والخلاص بهدفٍ في الدقيقة الأخيرة.
هنا تصدح ابحناجر متناسية الهموم الثقيلة وتؤجلها إلى حين..
هناك يُؤجَّل الألم، لا لأنه زال، بل لأنه وجد قناعًا أكثر بهاءً. فالفرجة ليست نقيض الوجع، بل شكله الأكثر تهذيبًا.
وما قيمة أكبر ملعب إذا كان سريرٌ في مستشفى ما غائبًا؟ وما جدوى أسرع قطار إذا كانت قريةٌ ما بأكملها لا تصلها طريق؟ وما معنى استعادة المواهب الكروية من المنافي، بينما تُدفع العقول العلمية والطبية والهندسية إلى منافٍ أخرى؟ إن الأمم لا تُقاس بعدد المقاعد في المدرجات، بل بعدد العقول التي تنتج المعرفة، وعدد الأجساد التي تجد العلاج، وعدد المواطنين الذين يجدون في أوطانهم سببًا للبقاء لا للهجرة.
ولذلك فإن الرياضة ليست خصمًا للتنمية؛ إنها إحدى ثمارها. فالمجتمعات التي صنعت تاريخها لم تجعل الملعب بديلًا عن الجامعة، ولا الكأس بديلًا عن العدالة، ولا الاحتفال بديلًا عن الإنتاج. لقد بنت الإنسان أولًا، فجاءت البطولات نتيجةً لا مقدمة.
أما حين يتحول الوطن إلى مشروعٍ بصري، لا مشروعٍ إنساني، فإن الإنسان يغدو مجرد تفصيلٍ داخل ديكورٍ هائل. وحين تصبح الفرجة ميتافيزيقا الدولة، لا تعود السياسة إدارةً للمستقبل، بل إدارةً للانطباع، ويصبح الزمن نفسه شاشةً عملاقة يُعرض عليها ما يكفي لإلهاء الذاكرة.
غير أن الإسمنت لا يحفظ الذاكرة... إنه يحفظ النسيان.
ولذلك، فليست القضية أن يكون للوطن ملعبٌ أكبر، بل أن يكون للإنسان فيه مكانٌ أوسع. فالحجر لا يصنع التاريخ، وإنما يترك عليه أثره فقط؛ أما التاريخ الحقيقي فيُكتب حيث تُصان الكرامة، ويُنتج العقل، ويجد الجسد حقَّه في الحياة. وكلُّ سلطةٍ تُراكم المشاهد قبل أن تُراكم العدالة، إنما تبني ذاكرةً قابلةً للانهيار، لأن الإسمنت يستطيع أن يرفع الأبراج، لكنه يعجز عن حمل أمةٍ إذا كان الإنسان هو الحلقة الأضعف في أساساتها.
وحين يصبح الوهج بديلًا عن الحقيقة، لا يعود السؤال: كم يتسع الملعب؟ بل: أيُّ فراغٍ في الروح، وأيُّ خللٍ في ميزان الأولويات، احتاج إلى كل هذا الاتساع؟

ختاما أقول إن الفرق بين الحضارة الحقيقية الرمزية والثقافية والإنسانية والاستعراض في البنايات والتشييد والعمران والملاعب وغيرها من البنيات التحتية أن الأولى تترك أثرها في الإنسان، بينما يترك الثاني أثره في الذاكرة البصرية فقط. وما يبقى من الأمم، في نهاية المطاف، ليس ما ارتفع من حجارة، بل ما ارتقى من قيم، ولا ما امتلأت به المدرجات، بل ما امتلأت به العقول. فالتاريخ لا يخلّد من أتقن صناعة المشهد، بل من أتقن صناعة الإنسان.
اكادير المغرب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأسبوع ومابعد | كأس العالم يكشف حيلة ميسي الغريبة في المبار


.. كيف تربح الفيفا من بقاء -الكبار- في كأس العالم؟ | في عمق الخ




.. تصريحات لاعبي المنتخب للرئيس السيسي بعد تكريمهم عقب إنجاز م


.. الأحلام مالهاش سقف وكل لاعب موت نفسه في الملعب..الإعلامي أحم




.. كأني بحلم.. والرئيس اتكلم معانا زي أب مع أولاده.. مصطفى أبو