الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تنظيم الخدمات العقارية الرقمية في العراق: مخاطر الحصرية وحماية المنافسة

ميثم ادهم الزبيدي
(Maitham Adham Zubaidy)

2026 / 7 / 5
دراسات وابحاث قانونية


يشكل التحول الرقمي في إدارة المرافق العامة خطوة ضرورية لتطوير الخدمات الحكومية وتعزيز الكفاءة والشفافية، إلا أن نجاحه لا يقاس بمجرد إدخال التكنولوجيا في الإجراءات الإدارية، وإنما بقدرته على الحفاظ على مبادئ المشروعية والشفافية والمنافسة وحماية حقوق المواطنين. ومن هذا المنطلق، يثير النموذج الحالي لتطبيق منصة (عقاري) في معاملات التسجيل العقاري جملة من التساؤلات التي تستحق اهتمام صناع القرار، ليس من منطلق معارضة الرقمنة، وإنما لضمان أن يؤدي هذا التحول إلى تطوير المرفق العام دون أن يفضي إلى آثار اقتصادية أو قانونية غير مقصودة.
تشير وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن المنصة أصبحت جزءاً من الإجراءات العملية التي تسبق إتمام معاملات البيع والشراء، في حين لا تزال طبيعة العلاقة القانونية بين الشركة المشغلة والجهات الحكومية، والأساس القانوني لاعتمادها، وآلية اختيارها، ومدى وجود حق حصري لها، غير واضحة للرأي العام. إن غياب هذه المعلومات يخلق فجوة في الشفافية ويضعف الثقة في مشروع يرتبط مباشرة بحقوق الملكية العقارية، وهي من أكثر الحقوق حماية في النظام القانوني.
ومن منظور سياسات المنافسة، فإن الخطر الرئيسي لا يكمن في وجود منصة رقمية بحد ذاته، بل في تصميم السوق إذا أصبح الوصول إلى إجراءات التسجيل العقاري مرتبطاً عملياً بمنصة واحدة تديرها شركة خاصة. فمثل هذا النموذج قد يؤدي إلى ما يعرف بـ إغلاق السوق، حيث تصبح المنافسة المستقبلية شبه مستحيلة، ليس بسبب تفوق اقتصادي أو تقني، وإنما لأن التنظيم الإداري نفسه يجعل المرور عبر مقدم خدمة واحد شرطاً لإتمام المعاملة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى ترسيخ مركز اقتصادي مهيمن، وتقليص الحوافز لتطوير الخدمة أو خفض تكلفتها، وإضعاف قدرة السوق على إنتاج بدائل أكثر كفاءة.
وتزداد هذه المخاطر إذا كانت الشركة المشغلة للمنصة تمارس في الوقت نفسه نشاط الوساطة العقارية، إذ تصبح في موقع يجمع بين إدارة البوابة الرقمية للسوق وبين المنافسة داخل السوق ذاته. وهذا الوضع يثير مخاطر التكامل الرأسي وتعارض المصالح، لأن الشركة قد تمتلك، بحكم إدارتها للمنصة، قدرة أكبر على الوصول إلى بيانات السوق وأنماط الطلب وتوقيت المعاملات، وهي معلومات لا تتوافر لبقية الوسطاء. كما قد ينشأ، ولو بصورة غير مباشرة، حافز اقتصادي لتوجيه المتعاملين نحو مكاتب وساطة مرتبطة بها أو منحها مزايا تشغيلية أو معلوماتية لا يحصل عليها الوسطاء المستقلون. وحتى في غياب دليل على وقوع مثل هذه الممارسات، فإن مجرد غياب الضمانات المؤسسية التي تمنعها يمثل بحد ذاته نقطة ضعف في تصميم السوق، لأن السياسات العامة ينبغي أن تمنع احتمال إساءة استخدام السلطة السوقية قبل وقوعها، لا أن تنتظر تحقق الضرر.
ويثير النموذج الحالي أيضاً تساؤلاً مهماً يتعلق بتنظيم المرفق العام. فالتسجيل العقاري وظيفة سيادية تتصل بحماية الملكية الخاصة، ومن ثم فإن إدماج شركة خاصة في المسار الإجرائي اللازم لإتمام هذه الوظيفة يستوجب وضوحاً كاملاً بشأن حدود دورها ومسؤوليتها وآليات الرقابة عليها. وتزداد أهمية هذا الأمر في ضوء ما تعلنه سياسات المنصة من أنها لا تتحقق من صحة الوثائق أو البيانات، ولا تتحمل مسؤولية نتائج التسجيل أو المنازعات، رغم أنها أصبحت تتقاضى رسوماً لقاء خدمة تبدو، في التطبيق العملي، لازمة لإتمام المعاملة. ويستدعي ذلك إعادة النظر في مدى التوازن بين المقابل المالي الذي يتحمله المواطن وبين مستوى المسؤولية القانونية التي يتحملها مقدم الخدمة. وان كان الدور سيقتصر على توثيق العقد فقط فيمكن تحميل العقد على منصة اور الحكومية ضمن الوثائق المطلوبة مع استمارة فتح البيان للعقار ضمن خدمات مديريات التسجيل العقاري العامة.
إن المطلوب ليس التراجع عن مشروع الرقمنة، وإنما تعزيز شرعيته وثقة المواطنين به، من خلال الإفصاح عن الأساس القانوني للعلاقة بين الدولة والشركة المشغلة، ونشر الإطار التعاقدي أو التنظيمي الذي يحكمها، وإجراء تقييم مستقل لأثر النموذج على المنافسة، ووضع قواعد صارمة لمنع تعارض المصالح، ولا سيما إذا كانت الجهة المشغلة تمارس نشاط الوساطة العقارية. كما ينبغي دراسة إمكان الفصل المؤسسي بين تشغيل المنصة الرقمية وممارسة الوساطة، أو إتاحة السوق مستقبلاً أمام مزودي خدمات آخرين يستوفون المتطلبات الفنية والقانونية، بما يضمن الحياد التنافسي ويحافظ على حق المواطنين في سوق مفتوحة وعادلة.
إن التحول الرقمي الناجح لا يتحقق بمجرد إنشاء منصة إلكترونية، وإنما ببناء إطار مؤسسي يضمن أن تظل التكنولوجيا وسيلة لخدمة المرفق العام، لا أداة لإعادة تشكيل السوق على نحو قد يقيد المنافسة أو يضعف الضمانات المقررة لحماية الملكية والثقة العامة. وفي القضايا التي تمس حقوق المواطنين وأموالهم، فإن الشفافية والحياد لا يقلان أهمية عن الكفاءة التقنية، بل يمثلان الشرط الأساسي لاستدامة أي مشروع إصلاحي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع