الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الوجه والقناع وملامح الهوية

شمخي جبر

2026 / 7 / 5
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يقول (دافيد لوبروتون مؤلف كتاب انثروبولوجيا الوجوه ) أن الإنسان(ليس مجرد كائن عاقل، بل هو "كائن ذو وجه". الوجه هو "المرآة. وهو ليس جزءاً من الجسد كباقي الأجزاء، بل يتميّز عنها بموقعه وقيمته ورفعته في التواصل، وبالأخص الشعور بالهوية التي يرتبط بها".) الوجه هو واجهة الانسان الأولى والبطاقة التي يقدم بها نفسه للمجتمع والعالم.. فالوجه هو صورتنا الأولى التي نعكس بها ملامحنا للآخرين، فنقول عن فلان بأنه محبوب صوره لهذا نفرح بإطلالته فنحن ننظر لوجهه دون رجليه و يديه او بقية أجزاء جسده (وجه شرير، وجه طفولي، وجه طيب) ويظل الوجه ساحة المعركة الأبدية بين ما نبدو عليه وما نشعر به) وقد تتغير ملامحنا بحسب مجالنا النفسي ومزاجنا في لحظة ما .(وجوه البشر أنثروبولوجياً، لجهة النحت ورسم البورتريه، والوجوه في السينما، وفي الصورة الفوتوغرافية: هي وجوه متعدّدة التأثيرات والإنفعالات وإن كانت تعود لوجه واحد). وبهذا الشأن يقول الفيلسوف ديدرو، معلّقاً على بورتريه له من توقيع الفنان ميشال فان لو، لم يتعرّف فيه على نفسه قائلاً:"كان لي في يوم واحد هيئات مختلفة بحسب ما يصيب مزاجي؛ وبحسب كوني مُفعماً بالسكينة أو الحزن، أو الحلم أو الوداعة، أو العنف أو الشغف، أو الحماسة. لكني لم أكن قط بالشكل الذي ترونه هنا في هذه الصورة ... لدى الفرد في كل لحظة هيأته التعبيرية. حين نلتقي الآخرين نواجههم بسحنة وجوهنا بجميع تعابيرها ولون بشرة وجوهنا وربما تبرز حالتنا النفسية ومزاجنا من خلالها .
الوجه نافذتنا على العالم .. تعابير الوجه الحزن الفرح .. من وجهك اعرف أنك ترحب بي .. قد تكون فرحان وانت تستقبلني او تكون مكفهر أو أن وجودي يشعرك بالضيق أعرف هذا من خلال تعبير وجهك... الوجه قد يكون علامة لتمييزك أو نبذك ... التمييز ضد السود لون الوجه ..التمييز العنصري ... الوجه هو الأكثر هشاشة لأنه قابل للتغيير أو التزييف للتقبيح أو التجميل ... قد يصبح التجميل تقبيحا. فيمحو هويتنا. وهكذا كانت بعض عمليات التجميل في أيامنا.
يقول رينو أوموكري : لا يمكن إرتداء قناع إلى الأبد. امنح النّاسَ الوقتَ . سوف تسقط أقنعتُهم. وحتى ذلك الحين ابقَ محبّاً، ولكن كن يقظاً". الأقنعة تخفي ماورائها او تحتها
لقد تعودنا كثيرا على ارتداء القناع أمام الآخرين إلى درجة أننا بتنا أخيرا نتقنع حيال أنفسنا." فحين تلبس القناع أو الكمامة تصبح إنسان مجهول الهوية فهويتك وجهك الذي أخفيته.
الوجه هو نافذة الجسد على العالم ففي الوجه جميع الحواس (البصر السمع الذوق من خلال اللسان )فإذا غطينا الوجه فقد حرمنا الجسد من نافذته .. ربما تتم تغطية الوجه لوقاية الجسد من الروائح الغازات او الجراثيم والفايروسات ..فقد وضعنا الكمامات على وجوهنا في زمن كورونا للوقاية من المرض... وكذلك غطى بها المتظاهرون وجوههم للوقاية من الغازات المسيلة للدموع.
وقد غطى العرب وجوههم بالأقنعة واللثام قديماً لأغراض تكتيكية ووقائية؛ فقد كان اللثام الأسود رمزاً للبطولة، وهيبة المقاتل، وعلامة على الشجاعة والحذر. كما استخدموه كإجراء احترازي لحماية الوجه، أو للوقاية من الغبار والرمال وعوامل الطقس القاسية في البيئة الصحراوية.وكان اللثام يعكس معاني القوة والوقار، وكان سمة مميزة للقادة والمجاهدين.
كا يمكن ان نقول ان القناع قد تحول الى رمز للتعبير عن موقف فكري و أخلاقي إذ استخدمه المتظاهرون في "احتلوا وول ستريت" وراحوا يرتدون هذه الأقنعة في تظاهراتهم في مدينة نيويورك. وقد استخدمه البعض لإخفاء الهوية مثل قبائل الطوارق في الصحراء والبدو، أو في الاحتفالات التنكرية ،وقد استخدمها اللصوص وقطاع الطرق لاخفاء هوياتهم
وكان للوجه مكانته الخاصة والمهمة في السنة والكتاب وفي المعالجات الفقهية ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ [البقرة: ١١٢] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. تغطي المرأة وجهها التزاماً بالتعاليم الدينية الإسلامية، إذ يرى بعض العلماء وجوب ستر الوجه كخطوة إضافية للحشمة، صيانةً للعرض، وبعداً عن مواضع الفتنة، بينما يرى آخرون جواز كشفه معتبرين ستره من باب الفضيلة والكمال.
اما سميح القاسم الشاعر الفلسطيني فإنه يتحدث عن قناع أخر هو قناع معنوي هو قناع الرياء والتمظهر بمواقف غير حقيقية وغير مبدئية بل هي مواقف للغش والكذب والخداع وتضليل الجمهور، إذ أن هذه المواقف لارصيد لها في الواقع واستحقاقاته :
سقطت جميع الأقنعة
سقطت..فإما رايتي تبقى ،
وكأسي المترعة
أو جثتي والزوبعة
سقطت جميع الأقنعة
سقطت قشور الماس عن عينيك
يا رجلا يصول بلا رجولة
يا سائقا للموت أحلام القبيلة
سقطت تماثيل الرخام
سقطت دموعك يا تماسيح التواريخ الطويلة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اجتماع عسكري أمريكي في بيروت يمهد لاجتماع روما فهل يبدأ تنفي


.. شاهد على العصر - حافظ الأسد في أيامه الأخيرة




.. فقرة تحليلية | هل يرسم خطاب المرشد مجتبى خامنئي ملامح مرحلة


.. جماهير الأرجنتين تشعل أجواء كانساس سيتي قبل مواجهة سويسرا




.. انهيار شبكة الكهرباء في كوبا للمرة الثانية خلال 4 أيام