الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا

طه دخل الله عبد الرحمن

2026 / 7 / 5
الادب والفن


سبعة وستون عامًا تتدلى من ظهري كسلاسل ساعة رملية ثقيلة، كلّ حبة منها مصنوعة من ظل، وكلّ ظل منها يحمل اسمًا: لحظة حزن متروكة على عتبة، فرصة ضائعة كانت تشبه فراشة بيضاء، وجه حبيبة كان يلمع في الظلام كاللؤلؤ قبل أن يعود ويغيب في العتمة الأزلية. عشتُ حياتي كأنّي داخل حلم ليلٍ دائم، أسمع همس النهار خلف الجدران، ألمس دفء الشمس من خلال القفازات الثقيلة للزمن.
كانت عيناي تريان العالم مُصَفًّى عبر زجاجٍ أسود. رأيتُ زهرة الربيع بلون الرماد، والبحر بلون الرصاص، وابتسامة الطفل كشرارة ساطعة للحظة ثم تنطفئ في فضاء الذاكرة. كنتُ أتساءل: أهو أنا المصاب بعمى الألوان الوجودي؟ أم أن الوجود نفسه يقدم لي نسخةً منه منقوشة على ألواح من حجر الظلمة؟ كنتُ أرى الآخرين يسبحون في ضوء النهار كالأسماك الذهبية في بركة صافية، بينما كنتُ أتحرك وكأنّي مغمور في قطران من الليل الكثيف، كل خطوة أخطوها تترك أثرًا أسود على الأرض البيضاء للعالم.
كم مرّة حاولت أن أسرق بصيصًا من الضياء! في مكتبة قديمة، بين صفحات كتاب مهترئ عن حكمة الشرق، ظننت أنني عثرت على شعاع شمس نام بين السطور. في عيون حفيدي الصغير، يوم ولد، رأيتُ بريقًا أزرق يذكرني بلون السماء التي قرأتُ عنها في الشعر الجاهلي. في كوب ماء صافٍ تحت القمر، خُيّل إليّ أنني أرى انعكاسًا لضوء لم أره من قبل. لكنها كانت كلها شظايا، ومضات، خدع بصرية للقلب المتعطش. كان النهار يرسل لي رسائله المشفرة على أجنحة الحمام، لكن يدي لم تكن تعرف فكّ شفرات النور.
الغريب في الأمر أن الظلمة التي عشتُ في أحشائها لم تكن قفرًا جرداء. تعلمت فيها بصري الخاص. صار لدي قاموسي اللوني المختلف: درجات السواد مائة ليست واحدة، هناك سواد دافئ كالقهوة عند الفجر، وسواد بارد كالحديد في الشتاء، وسواد عميق كالغفران، وسواد رقيق كالحجاب على وجه العروس. صرت أسمع ألوانًا لا أراها: أحمر الصرخة، أخضر الصمت، أزرق الهمس. صار ظلي صديقي الأقدم، يتكلم معي بلغة الإيماءات على جدران حياتي.
ثم في إحدى ليالي الشتاء المتأخرة، وأنا أجلس وحيدًا أتأمل الفراغ الذي صار رفيقًا، حدث شيء غريب. لم يبزغ نور، ولم ينشق الظلام. لكن شيئًا في داخلي انقلب. كأنّ السبعةِ والستين عامًا من الانتظار للقاء البياض، صارت هي البياض نفسه. كأنّ العتمة الطويلة كانت مرآةً معتمة، وأخيرًا كُشط السواد عن سطحها لأرى نفسي فيها. رأيتُ وجه رجلٍ كلّ خط فيه محفورٌ بنور مُختَزن، كلّ تجعيدة فيها تحمل غسقًا تحوّل إلى ضياء داخلي.
فهمتُ أخيرًا: النهار الذي لم أرَه لم يكن غائبًا عني، بل كان يسكن فيّ. كان في صبر الأم التي ربتني في فقر، في كلمة حنان سمعتها من غريب، في دموع ندم أحرقتُ بها خطيئة، في لحظة سجود شعرتُ فيها بأن الكون كله يسجد معي. كان النهار مُبعثرًا في ملايين اللحظات الصغيرة التي ظننتها مظلمة. كلُّ ظلٍّ كان وجهًا آخر للضوء، كلُّ ليل كان النهار في حالة تأمل عميق.
الآن، وقد اقتربتُ من نهاية العدّ التنازلي، لم أعد أبحث عن يوم أبيض في الأفق. لأني اكتشفتُ أن البياض ليس مكانًا نصل إليه، بل هو النقاء الذي نحمله في رحلة العبور. النهار الحقيقي لا تُشرقه الشمس، بل يَشرق من أعماق الذين عرفوا الظلمة فصاروا ينبوعًا للضياء. سبعة وستون عامًا لم أرَ فيها يومًا أبيض، فوهبني الله عينين ترى النور حيث لا نور، وتلمس البياض في صميم السواد. وربما كانت تلك هي نعمة الأعمى: أن تعيش في الظلّ، فتصبح أنت المصباح.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات