الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أنا الذي لا يبيع ظله.
حامد الضبياني
2026 / 7 / 5قضايا ثقافية
أنا... أولُ حرفٍ خرج من حنجرةِ الوجع حين كانت الأبجديةُ تتلعثم أمام المقاصل، وأولُ صرخةٍ رفضت أن ترتدي قفازَ الصمت كي تصافحَ جلاداً يتوضأُ بدمِ الأبرياء.
أنا... داءُ الحمقى، لأن الحقيقة وباءٌ لا يحتمله من اعتاد أن يتنفس من رئةِ الأكاذيب، وأنا دواءُ الذين أنهكتهم الخديعة، فصاروا يبحثون عن نافذةٍ يدخل منها ضوءٌ لا تشترطهُ السلطة، ولا تصادرهُ البنادق.
أنا فلسفةُ الدمع... فالدمعةُ ليست ماءً، إنها وطنٌ ذاب في العين قبل أن يذوب على خرائط السياسيين، والبكاءُ ليس ضعفاً، بل لغةُ الأرواح حين تعجزُ الكلمات عن حملِ هذا الخراب.
أنا عنوانُ الكبرياء... ذلك الكبرياء الذي ينامُ جائعاً ولا يمدُّ يده إلى موائدِ اللصوص، ويمشي حافيَ القلب، لكن رأسه يبقى أعلى من قبابِ المزورين.
أنا عزُّ الرفض... فالذين تعلموا كيف ينحنون لن يفهموا كيف يقفُ الإنسان وحده في مواجهةِ قطيعٍ باع ضميره بثمنِ وظيفة، أو حقيبة، أو صورةٍ إلى جانبِ سيده.
أنا روحٌ تسكنُ الوفاء، ولا تعرفُ كيف تهاجرُ منه، فالوفاءُ ليس وعداً يُقال، بل جرحٌ يختارُ صاحبه أن يحمله حتى آخر العمر.
أحبُّ... بعمقِ العراق، ذلك العمق الذي لا تقيسه خرائطُ الجغرافيا، بل تحفره دموعُ الأمهات، وأغنياتُ الفلاحين، وخطواتُ الجنود العائدين بنعوشِ أحلامهم.
أحبُّ العراق كما تحبُّ النخلةُ ماءَ الفرات، وكما يحبُّ القصبُ أنينَ الأهوار، وكما يحبُّ الفقيرُ رغيفاً لم تمسهُ يدُ الفساد.
أحبه لأنه علّمني أن الوطن ليس حكومة، ولا حزباً، ولا شعاراً يرتديه المنافقون في مواسمِ الانتخابات، بل طفلٌ ينتظرُ مدرسةً، وعاملٌ يحلمُ بأجرٍ كريم، وأمٌّ تنتظرُ باباً لن يطرقهُ خبرُ الموت.
وأكره... كلَّ ذيلٍ ظنَّ أن انحناءه فضيلة، وأن التصفيق وطنية، وأن التبعية قدرٌ لا يُكسر.
أكرهُ الذين باعوا الجهات، ثم وقفوا يعلمون الناس معنى السيادة، ويحملون في جيوبهم مفاتيحَ أبوابٍ لا تُفتح إلا بإذنِ الغريب.
وأكرهُ الخيانة، لأنها ليست رصاصةً تصيبُ جسداً، بل فكرةً تصيبُ أمةً، فتجعلُ أبناءها يتقنون لغةَ التصفيق، وينسون لغةَ السؤال.
وأكرهُ العمالة، لأن العميل لا يقتلُ وطنه دفعةً واحدة، بل يقتله بالتقسيط، يبيعُ نهراً، ثم مدينة، ثم ذاكرة، ثم يقنعُ الناس أن الخراب قدرٌ سماوي.
أنا... لا أبحثُ عن تمثال، ولا وسام، ولا مقعدٍ في بلاطِ السلاطين، فأعظمُ انتصارٍ أن تنام وقلبُك لم يوقّع صكَّ خيانة.
أنا ابنُ الكلمة، والكلمةُ إذا صدقت كانت أقوى من المدافع، وأبقى من العروش، وأطولَ عمراً من كلِّ الطغاة.
سيذهبون جميعاً... كما ذهبت كلُّ الوجوه التي ظنت أن التاريخ يُكتبُ بالحبرِ الرسمي، ويبقى صوتُ الإنسان وحده، لأنه كُتب بمدادِ الألم، ونقشَ أسماءه على جدارِ الزمن.
أنا... لستُ بطلاً، لكنني أرفضُ أن أكون شاهداً أخرس، فالسكوتُ حين يُصبح مهنةً، يموتُ الوطن قبل أن يموتَ الناس.
وسأظلُّ أولَ حرفٍ في كتابِ الوجع، وآخرَ سطرٍ في وصيةِ الكرامة، ما دام في القلب نبضٌ يؤمنُ أن الأوطان لا يحررها الخائفون، ولا يبنيها المنحنون، بل أولئك الذين يجعلون من الكلمةِ وطناً، ومن الحقيقةِ راية، ومن الكرامة اسماً لا يقبلُ المساومة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عاجل | أكسيوس: الجيش الأميركي ينفذ ضربات على أهداف إيرانية ف
.. عاجل | وزير الدفاع الأميركي: إيران اتخذت خيارا سيئا وهي الآن
.. عاجل | القيادة المركزية الأمريكية تعلن بدء جولة ضربات جديدة
.. عاجل | التلفزيون الإيراني: دوي انفجارات في مدينتي بندر عباس
.. نذر مواجهة شاملة.. تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران بالمنطقة