الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


متقاعدون على أبواب نقابة المحامين

سجاد خماس الساعدي
محامي وباحث قانوني وكاتب في السياسة والادب احيانا.

(Sajjad Khammas Saadi)

2026 / 7 / 6
دراسات وابحاث قانونية


أثار النقاش الدائر بشأن انتماء الموظفين المتقاعدين إلى نقابة المحامين آراءً متباينة بين مؤيدٍ ومعارض، وغلب على جانبٍ منه الاحتكام إلى الاعتبارات الإنسانية وحق العمل. غير أن جوهر المسألة، في تقديري، لا يتعلق بحرمان المتقاعد من العمل أو الانتقاص من حقوقه، وإنما يتصل بحدود سلطة المشرع في تنظيم الالتحاق بمهنة المحاماة، وبمدى تحقيق ذلك لمبدأ تكافؤ الفرص وحماية المهنة من أي منافسة غير متكافئة أو مظنة لاستثمار النفوذ الوظيفي السابق.

واستناداً إلى ذلك، أود أن أطرح وجهة نظر قانونية قد تثري هذا النقاش.

استند بعض الزملاء إلى مبدأ تكافؤ الفرص، وهنا يثور تساؤل مشروع: هل تتحقق المساواة عندما ينافس محامياً شاباً يبدأ حياته المهنية من الصفر، بلا راتب تقاعدي، ولا ضمان اجتماعي، ولا امتيازات من خزينة الدولة، موظفٌ سابق أمضى عشرات السنين في الخدمة العامة، واكتسب خبرة واسعة، وشبكة علاقات، ومكانة وظيفية، فضلاً عن راتب تقاعدي ثابت؟ فأين يتحقق تكافؤ الفرص في مثل هذه الصورة؟

ولا خلاف في أن المتقاعد يملك حق العمل، لكن السؤال الحقيقي هو: هل هذا الحق مطلق؟ وهل يملك اختيار أي مهنة دون تنظيم أو قيود؟ والجواب قانوناً: لا. فجميع الحقوق والحريات تخضع لتنظيم القانون تحقيقاً للمصلحة العامة، وإلا لما حظر المشرع الجمع بين الوظيفة العامة والمحاماة أو غيرها من المهن المنظمة.

ثم إن المحاماة ليست وسيلة لزيادة الدخل بعد التقاعد. فالموظف الذي أمضى سنوات طويلة يتقاضى راتباً وعلاوات وترفيعات وضماناً وظيفياً، ثم استحق راتباً تقاعدياً دائماً، هل من العدالة أن ينافس من جعل من المحاماة مصدر رزقه الوحيد ويبدأ فيها من الصفر؟

ويبرز هنا جانب آخر لا يقل أهمية، وهو استثمار النفوذ الوظيفي السابق. فكثير من المتقاعدين كانوا قضاة، أو ضباطاً، أو مديرين عامين، أو مستشارين، أو شغلوا مناصب عليا، فهل يستطيع المجتمع أن يطمئن إلى أن ما اكتسبوه من علاقات ونفوذ لن يتحول، ولو بصورة غير مباشرة، إلى وسيلة لاستقطاب الموكلين أو التأثير في الحياة المهنية؟

ولهذا لم تكن فكرة تنظيم انتقال الموظف العام إلى بعض المهن وليدة هذا النقاش، بل أخذت بها تشريعات عديدة. ففي فرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وكندا، فُرضت قيود أو فترات انتظار (Cooling-off Period) على انتقال كبار المسؤولين إلى أعمال قد تستفيد من نفوذهم السابق، حمايةً لنزاهة الوظيفة العامة ومنعاً لتضارب المصالح. فالعالم لا يتعامل مع حق العمل بوصفه حقاً مطلقاً، وإنما يوازن بين حق الفرد والمصلحة العامة.

كما أن حماية المهنة هدف مشروع، فجميع النقابات المهنية تنظم سوق العمل وتضع شروطاً لممارسة المهنة، فلماذا يعد تنظيم مهنة المحاماة وحدها أمراً يثير كل هذا الاعتراض؟

وأخيراً، فإن قانون التقاعد لم يمنح الراتب التقاعدي لمجرد كونه استحقاقاً مالياً، وإنما لأنه يمثل نهاية الخدمة العامة وإفساح المجال للأجيال اللاحقة. فإذا سُمح للمتقاعد بالاحتفاظ بجميع امتيازاته ثم منافسة فئة أخرى في سوق مهني منظم، فإن ذلك يخل بفلسفة توزيع الفرص التي تقوم عليها الدولة.

ومع ذلك، فإنني لا أدعو إلى المنع المطلق، لما قد يثيره من إشكال قانوني، وإنما إلى تنظيم أكثر اتزاناً، كقصر المنع على من يتقاضى راتباً تقاعدياً من الخزينة العامة ما لم يوقف تقاضيه أثناء ممارسة المحاماة، أو فرض فترة انتقالية على بعض الفئات الوظيفية التي قد يثير انتقالها المباشر إلى المحاماة مخاوف تتعلق بتضارب المصالح، وهو اتجاه أخذت به تشريعات مقارنة عديدة.

محامٍ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع