الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لغة الذوق
مشتاق الربيعي
Mushtaq alrubaie
2026 / 7 / 6
قضايا ثقافية
قلة الذوق، في الحقيقة، وباء لا يقل خطورة عن كثير من الأوبئة التي عصفت بالبشرية. فهو لا يصيب الجسد، بل يهاجم الأخلاق، ويضعف قيم الاحترام والتسامح، ويترك أثره في العلاقات الإنسانية حتى تصبح الكلمة الجارحة، والتصرف الفظ، وقلة التقدير، سلوكًا مألوفًا. ولعل أخطر ما في هذا الوباء أنه ينتشر بصمت، وينتقل بالممارسة والتقليد، حتى يفقد المجتمع شيئًا فشيئًا أجمل ما يميزه، وهو حسن الخلق والذوق الرفيع.
فالذوق ليس كلمات منمقة تُقال عند الحاجة، وإنما هو لغة راقية يفهمها الجميع، وأسلوب حياة يعكس تربية الإنسان ووعيه وأخلاقه. ويبدأ من أبسط التفاصيل؛ من طريقة إلقاء التحية، وأسلوب الحديث، والرد على الرسائل، واحترام المواعيد، والاعتذار عند الخطأ، وشكر من يقدم معروفًا، وتقدير مشاعر الآخرين، وتبادل الهدايا، والالتزام بالواجبات الاجتماعية.
وقد أحسن أحدهم حين قال: “أسلوبك في الكلام أهم من الكلام نفسه.” فالكلمات قد تحمل المعنى ذاته، لكن طريقة عرضها هي التي تحدد أثرها في النفوس. فكم من كلمة لطيفة فتحت قلبًا، وكم من كلمة قاسية أغلقت أبواب المودة. لذلك فإن الذوق في الحديث هو فن إيصال الفكرة دون تجريح أو استعلاء، حتى عند الاختلاف.
ولا يقتصر الذوق على التعامل مع الأقارب والأصدقاء أو أصحاب المناصب، بل يظهر في كيفية تعاملنا مع جميع الناس دون استثناء. فعامل النظافة، والنادل، وسائق الأجرة، وعامل التوصيل، وكل من يؤدي عملًا شريفًا، يستحقون منا الاحترام والتقدير وحسن المعاملة. فالإنسان لا تُقاس قيمته بوظيفته أو مكانته الاجتماعية، وإنما بكرامته التي يجب أن تُصان.
كما تمتد لغة الذوق إلى تعاملنا مع الأرواح البريئة؛ مع الأطفال، وكبار السن، والحيوانات، وكل كائن ضعيف لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه. فالرفق والرحمة عنوانان للإنسانية، ومن يحسن إلى الضعفاء إنما يعكس جمال أخلاقه قبل أي شيء آخر.
وللأسف، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذا الوباء الأخلاقي، حيث أصبحت الإساءة والسخرية والتنمر والتجريح لدى البعض وسيلة للتعبير عن الرأي، بينما الحقيقة أن الاختلاف لا يبرر قلة الأدب، ولا يجوز أن يكون غطاءً للإساءة إلى الآخرين. فحرية التعبير حق أصيل، لكنها تقترن دائمًا بالمسؤولية واحترام كرامة الإنسان، لأن الحرية التي تتجاوز حدود الاحترام تفقد قيمتها الأخلاقية.
إن الذوق لا يرتبط بالمستوى العلمي، ولا بحجم الثروة، ولا بالمنصب، بل هو انعكاس للتربية والقيم والأخلاق. فقد يكون الإنسان بسيطًا في حياته، لكنه عظيم في ذوقه واحترامه، فيترك أثرًا طيبًا في كل مكان يحل فيه.
فلنجعل لغة الذوق عنوانًا لتعاملاتنا اليومية، ولنتذكر أن الأخلاق لا تُقاس بما نقوله فقط، بل بالطريقة التي نقوله بها، وبالاحترام الذي نمنحه لكل إنسان ولكل روح بريئة. فالابتسامة، والكلمة الطيبة، وحسن المعاملة، لا تكلف شيئًا، لكنها قد تعني كل شيء لمن يتلقاها، وتبقى أثرًا جميلًا في القلوب لا يمحوه الزمن. فالمجتمعات الراقية لا تبنى بالقوانين وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بذوق أبنائها، لأن لغة الذوق هي اللغة التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت ثقافاتهم وأعراقهم ولغاتهم
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عاجل | أكسيوس: الجيش الأميركي ينفذ ضربات على أهداف إيرانية ف
.. عاجل | وزير الدفاع الأميركي: إيران اتخذت خيارا سيئا وهي الآن
.. عاجل | القيادة المركزية الأمريكية تعلن بدء جولة ضربات جديدة
.. عاجل | التلفزيون الإيراني: دوي انفجارات في مدينتي بندر عباس
.. نذر مواجهة شاملة.. تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران بالمنطقة