الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاحتفال الكروي، بين فرحة الانتصار والانصهار في روح القطيع
محمد السكاكي
2026 / 7 / 6عالم الرياضة
الاحتفال الكروي، بين فرحة الانتصار، والانصهار في روح القطيع.
مقدمات اولية:
☆ يشكل قطاع الرياضة، وخاصة كرة القدم، أهم عامل لتوحيد المشاعر، والذوبان حيث يتشكل روح القطيع، في أوضح تجلياته.
☆ وعليه تشكل كرة القدم، أهم وسيلة للتحكم في الجماعات البشرية، وتوحيدها تحت مشاعر معينة للحظة تكون بمثابة عقد إذعان يمتد أثره لسنوات.
☆ إن لعبة كرة القدم تؤدي وظيفة أساسية في الاستيلاب وتزييف الوعي.
☆ إن كرة القدم ليست عملية رياضية خالصة، لأن البعد الرياضي يتم تقزيمه، حيث يحتل مؤخرة الترتيب، لفائدة أبعاد أخرى سياسية ايديولوجية واقتصادية.
☆ استعمال مفهوم القطيع، بالمعني الذي يأخذه عند غوستاف لوبون، بحيث يعبر عن تفاعل وانصهار الجمهور في كتلة واحدة من الأحاسيس والرغبات والسلوك.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
شكل الارتباط المفرط بكرة القدم، اكبر مظهر من مظاهر الاستيلاب، وتزييف الوعي. فلعبة كرة القدم، ليست عملية رياضية خالصة، كما يتم تسويقها، بل نتيجة تداخل القرارات السياسية، والمصالح الاقتصادية، والغايات الدعائية...الخ. كما أنها لا تقتصر على المستوى الذي تؤطره القواعد والقوانين فقط، كما هو معروف من خلال الفرق والأندية الرياضية، وفضاءات اللعب، سواء تعلق الأمر بالتداريب أو بالمبارايات، حيث تأخذ كرة القدم صيغة منظمة مؤسسية، بل تمتد لتحتل كل الفضاءات والأزمنة، وتنتهك حتى حرمة المتلاشيات (عبوات البلاستيك المستعملة) مما وسع من دائرة شعبيتها.
إن لعبة كرة القدم في شكلها المؤسسي، تحاول حصر دور الجمهور في المشاهدة والتتبع فقط، في صيغة تعكس توزيع الأدوار والسلط داخل المجتمع، غير أن عملية اختزال الجمهور في دور المتفرج فقط، تصبح شبه مستحيلة، بقدر ما تتزايد أعداد المتفرجين، الذين ينحدر أغلبهم من الطبقات الشعبية الكادحة، حيث مشاعر القهر والإقصاء والفقر والتهميش، والرغبة في الخلاص. وهنا نكون أمام تركيبة تنصهر فيها العناصر السابقة هي ما يشكل روح القطيع، حيث يتزايد الحماس ويتضاعف، بانصهار الفرجة بالرغبة في الانتصار، كنوع من العزاء والمواساة بطريقة لا واعية، لأن انتصار الفريق، على الفريق المنافس هو انتصار لحظي ومزيف على وضعية الحرمان والفقر والتهميش...الخ إنه يؤدي دورا شبيها بالسعادة اللحظية، التي يحدثها تناول جرعة من المخدرات، وهذا ما يفسر أيضا، اضطرار العديد من الأشخاص للتنقل مسافات طويلة لتتبع اطوار مباراة فريقهم المفضل! في شروط تثير الشفقة والسخرية، بحيث أصبح التسول بمبرر تغطية كلفة التنقل سواء قبل او بعد المباراة، مسألة مألوفة، إضافة لما ينتج عنه من مظاهرة التشرد، بعد ذلك، ويفسر إصرارهم وتحملهم لحجم المعاناة، لأنها تخفي البحث عن الخلاص، مهما كان محدودا في الزمن.
إن الانتصار على الفريق المنافس/الخصم، يمنح القطيع شعورا بالأمان وإحساسا بوضعية اعتبارية، إنه يؤسس الانتماء ويمنح الهوية المفقودة، إنه ما يجعل القطيع يعتقد انه ينتزع الاعتراف.
وهذا ما يجعله ينتشي بالانتصار ويحتفل بأشكال لا تعبر عن مظاهر الفرح، قدر ما تشكل وسائل للتفريغ، حيث تتخلل أشكال الاحتفال مظاهر التعري، استعراض القوة، خرق ضوابط السير...الخ، حيث يستعرض كل فرد نصيبه من العاهات الاجتماعية، الأخلاقية والنفسية...الخ كما أن هذه الاحتفالات، لا تأخذ أشكالا معينة وواعية، بقدرما تتولد في اللحظة، بطريقة عفوية ولا واعية تتفاعل فيها مشاعر الحرمان والتهميش، والرغبة في الانتقام (تترجمها بعض الأشكال المتطرفة) والاستمتاع بالانتصار وفخر الانتماء (يحس المهمش او المنبوذ بامتلاك الهوية) إنها تنشئ خليطا من الانطباعات والأحاسيس، تولد وعيا بائسا مزيفا.
هذا من جهة الفريق المنتصر، اما في الطرف الآخر، حيث يوجد بالضرورة فريق منهزم. إن هزيمة الفريق المنافس، لاتشكل عثرة حظ فقط، بل تحرك في أعماق القطيع كل مظاهر الإحساس بالقهر والفقر والحرمان والتهميش، في لحظة واحدة، وفي إحساس واحد، تعبر عنه قوة الاندفاع نحو التمرد والثأر، فيتم تفريغ قوة هذا الإحساس في أشكال عنيفة، تبدأ بالرغبة في الانتقام من الفريق المنافس وانصاره (الاعتداء بالضرب والجرج، السب والشتم...) وتطال كل ما يصادفه القطيع في طريقه، اعتداء على الاشخاص، إتلاف الممتلكات، إضرام النار...الخ.
إن هزيمة الفريق، لا تقف عند التنافس الرياضي، إنها تنمي الشعور بفقدان الهوية والضياع، لأن القطيع، يعتقد أنه لا يمكن أن ينتزع الإعتراف...إلخ إلا من بوابة انتصار فريقه، لأنه لا يستطيع ان يؤسس الهوية والانتماء خارج الكرة، لأسباب غير كروية، سياسية واقتصادية بالأساس، تجعل جميع أبواب التفاعل مع القضايا الكبرى في السياسة والإقتصاد والسلطة، أو الاحداث والقضايا الدولية الكبرى...الخ موصدة في وجهه، بما يسمح بإمكانية بناء هويات أخرى. إنها باختصار تقطع صلات القطيع، بكل ما يمكن أن يسهم في تنمية وعيه ووضوح رؤيته، ليتم سجنه داخل أسوار كرة القدم، لما يوضع رهن إشارتها من منابر إعلامية ودعائية، وإمكانات مادية لتعزيز عملية الاستقطاب، معززة في ذلك بالخواء الذي يعاني منه القطيع (ضعف التكوين المعرفي، وعي مزيف، ثقافة التضليل...)، والذي يشكل الأساس الذي يقوم عليه الوعي المزيف.
ولهذا تم تضخيم، دور الكرة وأهميتها في الحياة اليومية للإنسان، لما لها من دور في تشكيل الوعي وقدرة على التدجين.
كما أن تضخيم دور الكرة وأهميتها في التدجين، تجاوز بكثير الأشكال المنظمة او المؤسسة، فامتد وسط الفئات الشعبية الكادحة المحرومة من لعبة الكرة في مستواها المنظم والمؤسسي، حيث تعتمد على محاكاة أشكال لعبة الكرة، وسط الممرات العمومية، الحدائق، أزقة الأحياء السكنية، باستعمال اردأ وارخص انواع الكرات (البلاستيك) أو حتى استعمال بعض الأجسام القريبة من جهة الشبه، حيث تشكل عبوات الماء المعدني الفارغة أهمها. إن الحرمان، حين يكون مؤطرا بوعي مزيف ينتج أصنافا بشرية غريبة، تميل إلى التعبير في أشكال مبتذلة وعنيفة، حيث امتداد أثر الكرة تجاوز طابعها المؤسسي/المنظم، فاخترق كل مظاهر الحياة، من حيث الزمن ومن حيث المكان، فأصبح انتهاك كل الفضاءات لصالح الكرة مسألة مألوفة (الطرقات، الحدائق، وسط الأزقة والأحياء السكنية...) كما انها انتهكت الزمن فأصبحت مطلوبة على مدار اليوم، واتسعت لتستعمل كل جسم مستدير او شبه مستدير (عبوات الماء المستعملة...).
إننا هنا لا نكون امام لعبة كرة القدم، بشروطها الأساسية (الملاعب، التداريب، التجهيزات...) بل أمام نوع من المحاكاة، تجيب عن التعطش والشوق الذي تحدثه آلية التخدير الدعائية، وهكذا فمن لايملك سبيلا للعبة الكرة، يملك اوهام التعلق بها، تملأ فراغاته أقمصة تحمل أسماء وأرقام لاعبين معروفين! ومن لا يستطيع الانتصار على الفقر والتهميش والإقصاء، تغنيه نشوة انتصار فريقه المفضل، في مباراة معينة عن ذلك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الأسبوع ومابعد | كأس العالم يكشف حيلة ميسي الغريبة في المبار
.. كيف تربح الفيفا من بقاء -الكبار- في كأس العالم؟ | في عمق الخ
.. تصريحات لاعبي المنتخب للرئيس السيسي بعد تكريمهم عقب إنجاز م
.. الأحلام مالهاش سقف وكل لاعب موت نفسه في الملعب..الإعلامي أحم
.. كأني بحلم.. والرئيس اتكلم معانا زي أب مع أولاده.. مصطفى أبو