الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تكون لمسة الإيمان أقوى من زحام الجموع (مرقس 5: 25-34)

رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)

2026 / 7 / 7
قضايا ثقافية


على مائدة الكلمة
لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟
حين تكون لمسة الإيمان أقوى من زحام الجموع
(مرقس 5: 25-34)

«من لمس ثيابي؟»
(مرقس 5: 30)
هناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان وسط الجموع…
وأن يكون حاضرًا في قلب أحد.
هذا هو الفرق الذي يكشفه الإنجيل في قصة امرأة لم يذكر اسمها، لكنها تركت أثرًا لا يزال حيًا بعد ألفي عام.
كانت الجموع تزاحم يسوع من كل جانب.
كل واحد يريد أن يراه.
أن يقترب منه.
أن يسمع كلمة منه.
وكان الطريق مزدحمًا إلى درجة أن التلاميذ استغربوا السؤال الذي طرحه فجأة:
«من لمس ثيابي؟»
أجابوه باستغراب:
«أنت ترى الجمع يزحمك، وتقول: من لمسني؟»
منطقهم كان صحيحًا.
لكن منطق المسيح كان أعمق.
فليس كل اقتراب لقاءً…
وليس كل لمس إيمانًا.
كانت هناك امرأة تحمل نزيفًا منذ اثنتي عشرة سنة.
اثنتا عشرة سنة من الألم.
واثنتا عشرة سنة من العزلة.
فبحسب الشريعة، كانت تُعد نجسة، ويجعلها مرضها معزولة عن كثير من أوجه الحياة الاجتماعية والدينية. لم يكن وجعها جسديًا فقط، بل كان يمس مكانتها وعلاقاتها وشعورها بالانتماء.
يقول مرقس إنها:
«تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا، بل صارت إلى حال أردأ.»
يا لها من جملة موجعة.
ليست كل الخسائر مالية.
بعضها يسرق الأمل.
كانت قد سمعت عن يسوع.
ولم تطلب أن يقف معها طويلًا.
ولم تطلب أن يضع يده عليها.
قالت في نفسها:
«إن مسست ولو ثيابه شُفيت.»
إنها لا تبحث عن معجزة عظيمة.
بل عن لمسة رجاء.
وفعلًا…
تقدمت وسط الزحام.
ولمست طرف ثوبه.
وفي اللحظة نفسها…
توقف النزيف.
لكن المفاجأة لم تكن في الشفاء.
بل فيما حدث بعده.
لقد توقف يسوع.
كأن الطريق كله صار أقل أهمية من إنسان واحد.
التفت حوله وقال:
«من لمس ثيابي؟»
لم يسأل لأنه لا يعرف.
بل لأنه يريد أن تعرف هي…
أنها ليست رقمًا في الزحام.
كم يشبه عالمنا اليوم ذلك الطريق!
ملايين الوجوه.
آلاف الأخبار.
أسماء كثيرة…
لكن الإنسان يشعر أحيانًا أنه غير مرئي.
أن أحدًا لا يلتفت إليه.
أن وجعه يضيع وسط ضجيج الحياة.
لكن الإنجيل يقول شيئًا مختلفًا.
الله لا يرى الجموع فقط.
بل يرى الشخص.
يرى الوجه.
ويرى الدموع التي لا يلاحظها أحد.
خرجت المرأة وهي ترتجف.
كانت تخشى أن تُوبَّخ.
فإذا بالمسيح يقول لها كلمة لم يقلها لأحد قبلها في إنجيل مرقس:
«يا ابنة…»
إنها أول مرة ينادي فيها امرأة بهذا اللقب.
لم يقل:
“يا امرأة.”
بل:
“يا ابنة.”
في لحظة واحدة…
أعاد إليها أكثر من صحتها.
أعاد إليها هويتها.
فالمرض كان قد عرّفها سنوات طويلة.
أما المسيح فأعاد تعريفها بعلاقتها بالله.
لم تعد “النازفة”.
بل “الابنة”.
ما أعمق هذا التحول!
نحن كثيرًا ما نعرّف الناس بجراحهم.
هذا مريض.
وهذا فاشل.
وهذا مطلق.
وهذا سجين.
أما المسيح…
فيبدأ من الكرامة.
إنه يرى الإنسان قبل أن يرى مشكلته.
ولهذا كانت معجزاته دائمًا تعيد للناس أسماءهم، لا صحتهم فقط.
ثم قال لها:
«إيمانك قد شفاك، اذهبي بسلام.»
لم يكن المقصود أن الإيمان قوة سحرية.
بل أن الثقة بالمسيح فتحت قلبها لتقبل نعمته.
فالنعمة عطية من الله.
لكن القلب المنفتح هو الذي يستقبلها.
كم من الناس يعيشون اليوم وهم ينزفون بصمت.
ليس دمًا…
بل رجاءً.
أو ثقة.
أو معنى.
وقد يخفون جراحهم بابتسامة، أو بانشغال دائم، أو بصمت طويل.
لكن المسيح الذي توقف في ذلك اليوم، ما زال يتوقف أمام كل إنسان يقترب إليه بإيمان.
لأن الله لا يقيس قيمة الإنسان بما يراه المجتمع فيه.
بل بما يراه هو فيه.
لقد كانت الجموع كثيرة.
لكن الإنجيل حفظ قصة امرأة واحدة.
وهذا يكفي لنعرف أن الله لا يكتب التاريخ بعدد الناس…
بل بصدق القلوب.
دعوة للتأمل
قد تشعر أحيانًا أنك مجرد وجه بين ملايين الوجوه.
لكن في نظر المسيح، لا أحد يضيع في الزحام.
هو يعرف اسمك…
ويرى جرحك…
ويستطيع أن يحول لمسة إيمان صامتة إلى بداية حياة جديدة.
لأن الله لا ينظر إليك كما يراك الناس…
بل كما أحبك منذ البدء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خبراء للجزيرة: تصعيد المواجهة بين أمريكا وإيران لن يدفع أي أ


.. تصاعد الحشد العسكري.. إلى أين تتجه المواجهة بين واشنطن وطهرا




.. ما تداعيات لقاء ترمب وجوزيف عون على مستقبل لبنان؟


.. روبيو في قمة آسيان: أمريكا منفتحة بشأن صراع الشرق الأوسط ومس




.. هل نجحت الضربات الأمريكية في تحقيق أهدافها داخل إيران؟