الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سوريا.... من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة. 1-2

شكري شيخاني

2026 / 7 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


في الأزمات الكبرى، هناك فرق بين الفاعل والمستفيد. فالجهة التي تنفذ حدثاً أمنياً ليست بالضرورة هي الجهة التي تحقق أكبر مكاسب سياسية منه. لذلك، فإن أي تحليل جاد ينبغي أن يبدأ بخريطة المصالح، ثم يحاول فهم من يملك القدرة والدافع، دون القفز إلى استنتاجات غير مدعومة بالأدلة.
في الحالة السورية اليوم، أعتقد أن الصراع يدخل مرحلة جديدة. ففي السنوات الماضية كان التنافس يدور حول السيطرة العسكرية على الأرض، أما الآن فيدور بصورة متزايدة حول:
من يعيد دمج سوريا في الإقليم والعالم؟
من يقود عملية إعادة الإعمار؟
ما شكل النظام السياسي الجديد؟
كيف ستُوزع الصلاحيات بين المركز والمناطق؟
وما موقع المكونات القومية والدينية، ومنها المكون الكردي، في الدولة المقبلة؟
ولهذا أرى أن الأحداث الأمنية، مثل التفجيرات، ينبغي ألا تُقرأ بمعزل عن هذه الأسئلة الكبرى، لأن قيمتها السياسية قد تكون أحياناً أكبر من قيمتها العسكرية.
أعتقد أن الخطوة التالية المنطقية هي محاولة رسم خريطة التنافس الدولي على سوريا حتى عام 2030: من الذي يريد دولة مركزية قوية، ومن يفضل لامركزية واسعة، ومن يسعى إلى نفوذ اقتصادي أو أمني، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على القضية الكردية ومستقبل الدولة السورية.
أعتقد أن هذه هي الزاوية الأكثر أهمية. ففي السياسة الدولية، كثيراً ما يكون التوقيت أكثر دلالة من الحدث نفسه. وإذا تعاملنا مع زيارة الرئيس الفرنسي بوصفها حدثاً استراتيجياً، يمكننا أن نفهم لماذا قد تكون قد أثارت قلق أطراف مختلفة، مع التأكيد أن ما يلي هو تحليل للمصالح وليس إثباتاً لمسؤولية أي جهة عن التفجيرات.
أولاً: ماذا كانت تريد فرنسا؟
منذ أشهر، تبدو باريس وكأنها تحاول صياغة دور مستقل نسبياً داخل الملف السوري، يقوم على عدة مرتكزات:
إعادة إدماج سوريا تدريجياً في المجتمع الدولي، ولكن وفق تفاهمات سياسية وأمنية.
تشجيع الاستثمار الأوروبي وإعادة الإعمار إذا توفرت بيئة أكثر استقراراً.
الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع عودة تنظيم داعش.
فتح قنوات حوار مع مختلف المكونات السورية، بما فيها المكونات الكردية والعربية والمسيحية.
إذا نجح هذا التوجه، فإن فرنسا قد تستعيد دوراً سياسياً كانت قد فقدته منذ سنوات في الملف السوري.
ثانياً: من قد ينزعج من هذا الدور؟
1. روسيا
رغم أن العلاقة بين موسكو وباريس ليست عدائية بالكامل في الملف السوري، فإن روسيا لا ترغب عادة في أن تصبح فرنسا صاحبة المبادرة السياسية داخل سوريا. فهي تفضل أن تبقى أي تسوية تمر عبرها باعتبارها اللاعب الدولي الأكثر تأثيراً في هذا الملف.
2. إيران
إيران بنت نفوذها في سوريا خلال سنوات الحرب. وإذا تحول الدعم الأوروبي إلى دعم اقتصادي وسياسي مباشر للدولة السورية، فقد تصبح دمشق أقل اعتماداً على طهران، وهو ما قد يقلل من النفوذ الإيراني تدريجياً.
3. تركيا
إذا كانت باريس تدفع نحو صيغة تضمن حقوقاً سياسية وإدارية للمكون الكردي ضمن الدولة السورية، فإن ذلك قد يثير تحفظات تركية، لأن أنقرة تراقب بحذر أي ترتيبات يمكن أن تمنح القوى الكردية نفوذاً مؤسسياً على حدودها.
4. إسرائيل
إسرائيل تنظر إلى سوريا من زاوية أمنية بالدرجة الأولى. وإذا أسهم الانفتاح الأوروبي في تعزيز مؤسسات الدولة السورية، فقد ترى أن ذلك قد يؤدي مستقبلاً إلى تعافي قدرات الدولة، وهو تطور تراقبه بحذر. لكن هذا لا يعني وجود صلة بين هذا التقدير وبين التفجيرات.
ثالثاً: ما الذي يميز فرنسا عن الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة تميل إلى التركيز على الملفات الأمنية الكبرى، مثل مكافحة تنظيم داعش، والوجود العسكري، والتوازنات الإقليمية.
أما فرنسا، فغالباً ما تضيف إلى ذلك ملفات:
الإدارة المحلية.
اللامركزية.
حماية التنوع القومي والديني.
إعادة بناء المؤسسات المدنية.
وهذا يجعلها طرفاً مقبولاً لدى بعض القوى السورية، لكنه قد يثير تحفظ قوى أخرى تخشى أن تؤدي هذه الرؤية إلى إعادة توزيع موازين النفوذ داخل الدولة.
برأيي، لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت تحمل رسالة تقول إن هناك بداية لمرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة.. حماس تطالب الوسطاء بالتحرك وتوفير الحماية للمدنيين


.. ما أبرز الأهداف التي أمر ترمب بضربها في إيران؟




.. هل تستعد الولايات المتحدة لإنزال بري على إحدى الجزر الإيراني


.. دلالات استهداف إسرائيل لوحدة تابعة للجيش اللبناني




.. رسوم أمريكية بنسبة 50% تشعل التوتر التجاري مع كندا