الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نظرة سريعة حول (علم الإجرام)
زيد نائل العدوان
كاتب
(Zaid Aladwan)
2026 / 7 / 8
دراسات وابحاث قانونية
يعد علم الإجرام من أهم العلوم الجنائية والقانونية التي تلعب دورًا مهمًا في تحديد المجرمين من عدمهم؛ إذ أن هذا العلم يعمل على تحديد أسباب الجريمة، وتحديد المجرمين، بالإضافة إلى البحث في عوامل الجريمة ونتائجها وأهم الأمور المتعلقة بها، فهو إذًا علمٌ يُستَعمل من قبل القانونيين والجنائيين (من يعملون بالعلوم الجنائية) لمعرفة ماهية الجريمة أكثر وفهم دوافع المجرمين بشكل أعمق.
ومن أهم الأمور التي كان قديمًا تحدد المجرم من عدمها هو حجم الرأس، فحجم الرأس كان يُربَط بينه وبين كون الشخص مجرمًا أو لا، فالرأس الكبير كان يعني بالأدبيات الجنائية أن صاحبه يمتلك نوازع إجرامية، والعكس صحيح في حالة الرأس الصغير، وقد طور هذه النظرية عالم الإجرام لومبروزو والذي يعد أول من نادى بها.
إذ كان شكل الرأس قديمًا عند علماء الإجرام يشكل عاملًا مهمًا في تحديد إذا كان الشخص مجرم أم لا، وكان هذا العامل يعد من أهم العوامل التي يستعين بها فقهاء (علماء) العلوم الجنائية القديمة لمعرفة إجرام الشخص من عدمه.
وقد بذل العلماء جهود كبيرة لمعرفة المجرم من غير المجرم عبر قياس حجم الرأس، ورغم أن الدراسات قد توصلت إلى نتائج بخصوص مدى إطراد الإجرام مع زيادة حجم الرأس أو نقصانه، فإن الغالبية العظمى من الدراسات تظهر تناقضات مختلفة، ولذلك، لم يتم اعتماد هذا الأمر حتى الآن؛ أي لم يتم اعتماد قياس الرأس كوسيلة على تحديد إجرام الشخص من عدمه.
ولكن مع ذلك، فإن الدراسات المختلفة، ومنها على سبيل مثال دراسات لومبروزو، تظهر أن الرأس له علاقة كبيرة بالإجرام، فحتى ولو كانت رؤوس بعض المجرمين متساوية مع حجم رؤوس الأشخاص العاديين، فإنه على الرغم من ذلك توجد الكثير من العينات الإجرامية البشرية والتي حجم رأسها لا يتوافق مع حجم رأس الناس العاديين نقصانًا أو زيادةً.
فبالتالي، نتوصل إلى أن الرؤوس الكبيرة والصغيرة -مقارنةً مع حجم الرؤوس العادية- هي سمة أساسية للمجرمين حسب لومبروزو، وهو المطور الأساسي لهذه النظرية؛ حيث توصل إلى أنه ليس فقط المجرمين هم من تكون رؤوسهم كبيرة أو صغيرة مقارنة مع حجم الرؤوس العادية، بل كذلك المختلين عقليًا والمصابين بأمراض نفسية معقدة يكون حجم رؤوسهم كذلك، وبالتالي، ربط لومبروزو بين الاختلال العقلي والإجرام، فقال بأن كل مختل عقليًا لا بد من أنه مجرم والعكس صحيح.
وطرحت الدراسات المختلفة، والتي قام بها لومبروزو على عينات كثيرة، بأن رؤوس القتلة عادةً ما تكون كبيرة، بينما رؤوس اللصوص عادةً ما تكون كبيرة، ولكن، ومع ذلك، فإن هذه النتائج غير مؤكدة؛ ذلك بأن الدراسات الحديثة لا تؤكد هذه الدراسات التي قام بها لومبروزو في العصر الحديث.
لا يمكن إذًا، ووفق الدراسات الحديثة، الربط بين حجم الرأس الكبير وبين الاتجاهات الإجرامية؛ ذلك أن المؤشرات الحديثة تناقض هذه الدراسات جملة وتفصيلًا، فمثلًا، بعض الأعراق يتميزون بكبر رأسهم، فهل هذا يعني أن هؤلاء الأعراق كل أفرادها يميلون للإجرام؟!، وبعض الأفراد رؤوسهم صغيرة، فهل معنى ذلك أن هؤلاء الأفراد يميلون للصوصية؟!، إن النظرية القائلة بالربط ما بين الرأس وما بين الإجرام هي نظرية متحيزة عنصريًا لصالح بعض الأعراق دون الأخرى، كما أنها لا تنفع عند تحديد الإجرام في الأعراق الأخرى.
ثم، قد تجد الكثير من المجرمين ذوي الرؤوس الصغيرة، وعلى العكس، قد تجد الكثير من الأشخاص الغير مجرمين ذوي الرؤوس الكبيرة، فكبر الرأس من صغره لا يحدد طبيعة الإجرام؛ إذ أن الإجرام مرتبط بالتنشئة الاجتماعية والبيئة النفسية التي تحيط بالمجرم، فمثلًا، من الصعب لشخص نشأ في بيئة إجرامية أن ينشأ سوي نفسيًا؛ لإنه بالتأكيد سينشأ كشخص غير سوي نفسيًا، وبالتالي، وعند وقوع أول موقف معه، سيتجه للقيام بفعل جرمي، فالعوامل الاجتماعية والنفسية تؤثر أكثر من العوامل الأخرى في تنشئة الشخص وفي خلق (الإجرام) به من عدمه.
أيضًا، للنواقل العصبية دور كبير في تنشئة المجرمين، فمثلًا، من يعاني من اختلال شديد في النواقل العصبية على الأغلب ومن الممكن أن ينشأ مجرمًا؛ ذلك أن النواقل العصبية هي التي تنظم ردود الفعل، وفي حالة اختلالها، قد يصبح الفرد ذو نزعة إجرامية معينة.
أيضًا، تلعب العوامل الاقتصادية دورًا كبيرًا في تنشئة الإجرام وتربيته لدى الأفراد، فمثلًا، فإن العائلات ذوي الدخل المنعدم يميل أفرادها إلى ارتكاب جريمة أكثر من الآخرين؛ لإن الحاجة قد تدفعهم مثلًا للسرقة -رغم الصعوبات التي تحيط بالسرقة-، أو قد تدفعهم لارتكاب جريمة بسبب الضغوط التي يعانونها، وليس علم الإجرام ها هنا يبرر الجريمة بقدر ما يحاول وفق ضوابط ومعايير عدة أن يفهم ماهية الجريمة وأسبابها الأساسية؛ لكي يستطيع السيطرة عليها ومنع حدوثها وكبحها من الوقوع.
ومن وجهة نظري كشخص قد مارس القانون ودرسه؛ أرى أن يتم الحديث عن علم الإجرام أكثر في المقررات الدراسية القانونية المختلفة التي تُدرَس في الجامعات، خصوصًا في التخصصات القانونية والجنائية؛ ذلك أن الطالب يتخرج من الجامعة وهو ما تكونت لديه ثقافة جنائية حديثة كافية؛ إذ أنه لا يكفي دراسة المقررات الجنائية العامة، بل يجب للطالب أن يتعمق بهذه المقررات، إذ لو قرر في إحدى الأيام التوجه للسلك الجنائي (مثل أن يكون محامي مختص بالقضايا الجنائية)؛ فإنه يكون يمتلك المعرفة الكافية بهذا الحقل من العلوم، فلا يواجه صعوبة به ويكون قادرًا على التحليل والاستنباط بالقضايا التي تخص هذه العلوم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-
.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا
.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع