الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: هواجس الليل
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 7 / 8
الادب والفن
تركت نوافذ حجرات قلبها مشرعةً له وحده، لابنها الذي ربما أُخذ منها عنوةً، وربما أخفته طرقٌ لا تعيد العابرين. كانت تتلوّى بألف احتمال واحتمال، تنتظر معجزةً تتسلل من شقوق الغيب، أو بشارةً صغيرة تهبط على كتفيها كحمامةٍ أرهقها التحليق.
أيامٌ طويلة وهي تسكن بين يقينٍ مكسور وأملٍ يتكئ على الوهم. حتى عقارب الساعة بدت لها وكأنها لا تشير إلى الزمن، بل إلى دائرةٍ مغلقة تدور فيها الذكريات، فتعود كل لحظة إلى بدايتها، كما يعود الطائر الجريح إلى عشه الخالي.
كان معها وليس معها. تتشمم رائحة ثيابه العالقة في أركان الغرفة، فتتوهم أن خطواته ما زالت تحفظ الطريق إلى الباب. تتحسس وسادته، وتعيد ترتيب أشيائه الصغيرة، كأنها تحاول أن تخدع الغياب بملامح الحضور.
تركوها معلقةً بين الخيبة والانكسار، بين بابٍ موارب للرجاء وجدارٍ عالٍ من الصمت. تتلمس مكانه إلى جوارها، لعلّه انقلب أثناء نومه، لعلّه اختبأ في زاوية من الحلم ولم ينتبه أحد. تفتح عينيها بصعوبة، فلا تجد سوى الفراغ ممدداً إلى جانبها، عندها تدرك أن ما رأته لم يكن حلماً، وأن الحقيقة أكثر قسوةً من كل الكوابيس.
تنهار من جديد، ثم تنهض، ثم تنهار، وكأن روحها موجةٌ تتكسر على صخور لا تراها.
بعد دقائق تتلفظ بتراتيل مبعثرة، كلماتٍ لا تعرف من أين جاءت، كأنها أوراق خريف اقتلعتها ريحٌ بعيدة. تحاول أن ترفض الانكسار، أن تغلق أبواب الجنون قبل أن يعبر إليها، لكن الهذيان كان يتسلل من بين أصابعها كما يتسرب الماء من كفّ عطشى. همست لنفسها:
- مهلاً أيها القلب... مهلاً. لقد عهدتك صبوراً، فلا تستعجل القرار، ولا تعشق العتمة والانزواء، ولا تجعل الليل وطناً للأحزان. لا ترتدِ جبة الصمت كل مساء، ولا تغلق نوافذ الأحلام في وجه الفجر. ما زالت في السماء نجمة لم تنطفئ، وما زالت في الروح قطرة ماء تقاوم هذا القحط الطويل.
لكن الصبر كان شوكاً ينبت في حقول الشوق، كانت تسمع صوته في أكثر من مكان. يخرج من الجدران، من الأبواب، من صرير الخشب، ومن الظلال المعلقة على أطراف الغرفة. كل زاوية كانت تحمل شيئاً منه، وكل شيء كان يوقظ شيئاً فيها.
وفجأةً، ارتعشت روحها، صوتٌ قادم من العتمة، صوتٌ يشبهه، صوتٌ يناديها:
- يا أماه...
حاولت أن تجيب، لكن الكلمات انعقدت في حلقها، وارتطم صوتها بجدارٍ خفي. مدت يديها نحوه، غير أن الصدى كان يبتعد كلما اقتربت منه، كأنه زورقٌ صغير تدفعه أمواج الضباب إلى عرض بحرٍ لا شواطئ له، لذا أخذت تصرخ:
- ولدي... أين أنت؟
فلم يجبها سوى الفراغ، عندها دوّى جرس الوحدة في أعماقها. ارتجفت روحها خوفاً ووجلاً. كان لها شمساً تضيء منافذ اليأس، وشمعةً صغيرة تهزم جيوش الظلام. كانت تبحث عن طريقٍ تعود منه إلى نفسها، تحاول أن تمزق أوراق الذكريات، وأن تدفن أسماء الأحزان تحت تراب النسيان، لكن الذكريات كانت كالجذور العتيقة؛ كلما اقتلعت واحدةً منها، نبتت عشرٌ في مكانها، عبثاً حاولت أن تستنهض ما تبقى من قوتها، عبثاً حاولت أن تعيد ترتيب خرائط روحها. فقدت بوصلتها، وتبعثرت الجهات من حولها، حتى بدا الليل غابةً لا تعرف مخارجها.
عاد إليها الهذيان مرةً أخرى، وعاد معه ذلك الصوت البعيد، صوتٌ يشبه رفرفة جناحٍ في آخر السماء، صوتٌ يشبه نداءً غارقاً في الضباب. فهمست وهي تحدق في النافذة حيث كانت نجمة وحيدة تقاوم السحب:
- الليـل يا ولدي لا يعترف إلا بالحروب التي تدور بين الأضلع.
ثم سكتت. وبقيت النجمة معلقةً في البعيد، لا تقترب ولا تغيب، أما الريح، فكانت تمر كل حين قرب النافذة، تحرك الستارة برفق، وكأنها تحمل رسالةً لم تكتمل بعد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ستايل توك- هل الموسيقى والسينما يقدروا يحفظوا تراثنا؟
.. ستايل توك- بين الابداع والحرفة... رحلة داخل عالم R-Kan
.. بعد إصابته بسرطان القولون الفنان ياسر الطوبجى أسرتى أخفت عنى
.. لأول مرة ابنة الأديب الكبير يحيى حقي ضيفة #معكم_منى_الشاذلي
.. مشروع -نشوة- الموسيقي يخلق حالة من الفرح والابتهاج في مهرجان