الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
سعد العبيدي
2026 / 7 / 8مواضيع وابحاث سياسية
في عراقنا الحالي، لم تعد أخبار السرقات الكبرى تثير الدهشة. مليارات تختفي، وعقود تُنهب، ومشاريع تتعثر، ومال عام يُعامل كأنه مجهول المالك. تتكرر الفضائح حتى تكاد تفقد صفتها كفضائح، ويصبح السؤال عن حجم السرقة أقل حضورًا من السؤال عن الجهة السياسية التي حظيت بنصيبها منها.
والأشد إيلامًا أن هذه الفضائح لا يقابلها غضب اجتماعي يوازي حجمها. يسمع الناس الخبر، يتداولونه قليلًا، يطلقون نكتة مريرة، ثم تمضي الحياة من دون احتجاج واسع، ولا شعور يومي بالمهانة أمام الأهل والعالم. كأن ما يجري صار جزءًا من المشهد، أو قدرًا يدفع إلى التكيّف لا إلى الرفض.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ مشكلةٌ لا تقتصر على الفساد أو السارقين، وإنما تمتد إلى خلل يصيب شعور المجتمع بذاته. فعندما يضعف إحساس الإنسان بأن وطنه جزء من كرامته وهويته، يصبح تدهور سمعته خبرًا لا جرحًا، وتتكرر الإهانات العامة من دون أن توقظ شعورًا بالخجل أو الرفض. عندئذ نكون أمام حالة يمكن تسميتها فقدان الحياء الوطني.
والحياء الوطني ليس خجلًا فرديًا، ولا انكماشًا أو صمتًا أمام الآخرين، وإنما هو حس أخلاقي جمعي يجعل الإنسان يرى كرامة وطنه جزءًا من كرامته الشخصية، ويشعر بالإساءة إليه كما يشعر بالإساءة إلى بيته وأسرته. لذلك، حين يشيع أن بلده غارق في الفساد، وأن مسؤوليه ينهبون المال العام، فإن الإنسان الذي ما زال يحتفظ بهذا الحياء يشعر بأن شيئًا من كرامته قد مُسّ أيضًا.
أما حين يتآكل هذا الشعور، فإن الفساد يغدو علامة على ضمور العلاقة النفسية بين الإنسان ووطنه، ويتحول الوطن من بيت تُصان كرامته إلى مساحة للعيش أو مورد للرزق. عندئذ يتغير السؤال من: لماذا يسرق المسؤول؟ إلى: لماذا لا يخجل المجتمع من أن تكون السرقة عنوانًا لبلده؟ وتكون المشكلة ليس في كثرة السراق، وإنما في قلة الخجل من السرقة، وفي أن يكف أبناء الوطن عن الشعور بأن سمعته جزء من كرامتهم... حالة إذا شاعت "وهي في العراق قد شاعت" كان ذلك دليلًا على أن الوعي بدأ يتعفن. والتعفن لا يظهر في قبول الخطأ وحده، وإنما في فقدان الإحساس بأن الخطأ خطأ، ولا في انتشار الفساد فحسب، وإنما في اعتياده، واستبدال الغضب بالنكتة، والرفض بالتبرير، والاحتجاج بالصمت، حتى يتخدر الضمير الوطني شيئًا فشيئًا، ويغدو الانحدار أمرًا مألوفًا.
إن الحياء الوطني هو ذلك الوجع النبيل الذي يشعر به الإنسان حين يُهان وطنه، وتُسرق ثروته، وتُكسر كرامة فقرائه، وتُحوَّل مؤسساته إلى أسواق للغنائم. فإذا غاب هذا الوجع، لم نعد أمام أزمة إدارة أو سياسة فحسب، وإنما أمام تعفن في الوعي الجمعي؛ تعفن يجعل المجتمع يرى الخراب ولا يرتجف، ويسمع الإهانة ولا يخجل، ويعتاد ما كان ينبغي أن يرفضه، حتى يغدو الانحدار حالة طبيعية، ويصبح الدفاع عن الوطن استثناءً بعد أن كان فطرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غزة.. حماس تطالب الوسطاء بالتحرك وتوفير الحماية للمدنيين
.. ما أبرز الأهداف التي أمر ترمب بضربها في إيران؟
.. هل تستعد الولايات المتحدة لإنزال بري على إحدى الجزر الإيراني
.. دلالات استهداف إسرائيل لوحدة تابعة للجيش اللبناني
.. رسوم أمريكية بنسبة 50% تشعل التوتر التجاري مع كندا