الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدور الإيراني في العراق: من شريك الاحتلال إلى مأزق التراجع الإقليمي
حسن خليل غريب
2026 / 7 / 8مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة تاريخية
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير، مستخدمة أدوات الطائفية والمعارضة السياسية. ومع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية، تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة، ثم إلى بوابة رئيسية لمشروع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. لكن الاحتلال الأميركي عام 2003 شكّل نقطة انعطاف حاسمة، إذ انتقلت إيران من دور خارجي داعم للمعارضة إلى هيمنة داخلية عبر الميليشيات والمؤسسات الرسمية. ومع سياسات الضغط القصوى التي انتهجها دونالد ترامب، واغتيال قاسم سليماني، ثم سقوط النظام السوري عام 2024، دخل الدور الإيراني مرحلة جديدة من التراجع النسبي. وأخيرًا، جاءت مفاوضات العام 2026 بعد اغتيال علي خامنئي لتفتح الباب أمام إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، في إطار تفاهمات أميركية–إيرانية مشروطة بالموقف العربي.
منذ العام 2003، تاريخ احتلال العراق، أصبح الدور الإيراني في المنطقة، جزءًا من مشروع وظيفي يخدم الاستراتيجية الأميركية–الإسرائيلية لتفتيت الهوية القومية العربية.
إن دخول إيران إلى العراق لم يكن خروجًا على الاحتلال الأميركي، بل كان تكاملًا معه. فقد وفّر الأميركيون الغطاء، فيما وظّفت إيران الطائفية السياسية لتكريس نفوذها، وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لميليشياتها. بهذا المعنى، لم يكن الدور الإيراني بديلًا عن الهيمنة الأميركية، بل شريكًا في إدارة الانقسام وإضعاف الدولة الوطنية.
لقد اتَّخذت العلاقة بين واشنطن وطهران منذ ذلك التاريخ شكلًا من التحالف الوظيفي: أميركا تستفيد من تفتيت البنية القومية العربية، وإيران تستفيد من توسيع مشروعها الإقليمي عبر العراق، ثم عبر لبنان وسورية. في هذا السياق، يصبح حزب الله في لبنان الأداة الأبرز لهذا المشروع، حيث يتحرك وفق حسابات إيرانية لا لبنانية، ما يجعل القرار الوطني رهينة الخارج.
أولاً: التطور التاريخي للدور الإيراني في العراق
1-إيران والعراق قبل 2003 – من المعارضة إلى الحرب:
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّت إيران تراقب المشهد العراقي بحثًا عن منافذ للتأثير. في العهد الملكي والجمهوري المبكر، اقتصر دورها على دعم بعض القوى المعارضة، لكن مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة. الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) كانت التعبير الأوضح عن هذا الدور، حيث سعت إيران إلى إضعاف النظام العراقي عبر دعم المعارضة الشيعية المسلحة، مثل المجلس الأعلى وقوات بدر. وفي التسعينيات، استغلت إيران الحصار المفروض على العراق لتوسيع شبكات نفوذها، ما جعلها لاعبًا حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل العراق حتى قبل الاحتلال الأميركي.
2-إيران والعراق بعد 2003 – من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية:
مع سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي، دخلت إيران مرحلة جديدة من نفوذها في العراق. لم تعد مجرد داعم للمعارضة، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في صياغة المشهد السياسي والأمني. عبر الميليشيات والأحزاب الشيعية، تسللت إلى مؤسسات الدولة، فيما لعب الحرس الثوري وفيلق القدس دورًا محوريًا في إدارة الصراع. العلاقة مع واشنطن اتخذت شكلًا وظيفيًا: أميركا وفّرت الغطاء، وإيران نفّذت مشروع التفتيت عبر الطائفية. بهذا تحوّل العراق إلى ساحة لتوازن النفوذ بين الطرفين، وأصبح القرار الوطني رهينة حسابات خارجية.
3-مرحلة داعش وما بعدها – شرعنة النفوذ الإيراني:
وبعد وصول الثورة السلمية في الأنبار إلى مراحل متقدمة، ووصلت إلى أبواب بغداد، بدأ هاجس إسقاط العملية السياسية يحفِّز أميركا وإيران على مواجهة الثورة بأسلوب آخر، فكان ابتكار (بدعة داعش) لتحويل المعركة بين العراقيين أنفسهم. حينذاك، شكَّل ظهور تنظيم داعش غطاءً ذهبياً لإيران لتكريس شرعية ميليشياتها تحت اسم "الحشد الشعبي". وبهذا، قدّمت نفسها كحامية للعراق، لكنها في الواقع رسّخت وجودها العسكري والسياسي، وجعلت من الحشد أداة رسمية للنفوذ الإيراني. هذه المرحلة مثّلت انتقال إيران من نفوذ غير رسمي إلى هيمنة مؤسساتية، حيث باتت قادرة على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي، فضلًا عن التحكم في مسار الأمن الوطني.
4-من العراق إلى الإقليم – تراجع وتحوّل بعد 2017
بعد العام 2017، ومع إغلاق البوابة السورية تدريجيًا وسخونة الساحة العراقية بالاحتجاجات الشعبية، التي قادتها انتفاضة 2019 الشبابية، بدأ النفوذ الإيراني يواجه تحديات جدية.
ولذلك جعل ضعف العلاقة مع بعض الأذرع، وتزايد الرفض الشعبي للطائفية، مشروعها في العراق أقل استقرارًا. ومع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها، ما انعكس على حضورها في العراق. ومع ذلك، بقيت قادرة على التأثير عبر الاقتصاد والسياسة، وإن كان نفوذها أقل صلابة مما كان عليه في العقد الأول بعد الاحتلال.
ثانياً: المتغيرات في الدور الإيراني بعد ولاية ترامب الأولى:
منذ ولاية دونالد ترامب الأولى، دخل الدور الإيراني في المنطقة مرحلة جديدة من التحديات والتحولات، باعتبارها انتقالاً من مشروع توسعي واثق إلى مشروع دفاعي مضغوط بالضغوط الأميركية والدولية.
1-الانسحاب من الاتفاق النووي :(2018)
انسحاب ترامب من الاتفاق النووي أعاد واشنطن إلى سياسة "الضغط الأقصى"، ما دفع إيران إلى تكثيف حضورها في العراق ولبنان لتعويض خسائرها الداخلية. إن هذا القرار كشف هشاشة العلاقة الأميركية–الإيرانية، وأظهر أن واشنطن قادرة على قلب الطاولة متى شاءت.
2-العقوبات الاقتصادية والضغط المالي
العقوبات التي فرضها ترامب لم تُنهِ النظام الإيراني، لكنها دفعته إلى تعزيز أدواته العسكرية والسياسية في العراق ولبنان. وبقيت الطائفية الأداة المركزية التي استخدمتها إيران لتثبيت نفوذها وسط انهيار اقتصادي داخلي.
3-اغتيال قاسم سليماني (2020)
اغتيال سليماني كان ضربة استراتيجية، لكنه لم يُنهِ المشروع الإيراني. وإن إيران أعادت هيكلة أدواتها عبر الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، مع اعتماد أكبر على القيادة المركزية في طهران.
4-مرحلة ما بعد 2024:
مع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقدت إيران إحدى ركائز تمددها الإقليمي. هذا الحدث جعل نفوذها في العراق ولبنان أكثر هشاشة، لكنه لم يُلغِ حضورها، إذ بقيت قادرة على التأثير عبر الاقتصاد والسياسة.
5-مفاوضات 2026 بعد اغتيال علي خامنئي:
اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في مطلع 2026 فتح الباب أمام مرحلة تفاوض جديدة بين واشنطن وطهران. لم تكن تلك المفاوضات مجرد تسوية ثنائية، بل محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ في المنطقة. فإيران، بعد فقدان رأس هرمها السياسي–الديني، دخلت في موقع دفاعي، تبحث عن ضمانات دولية وعربية لتثبيت حضورها. أما واشنطن، فاستغلت اللحظة لإعادة فرض شروطها، بما يربط أي تفاهم بمطلب عربي رسمي يحدّ من دعم إيران لأذرعها في العراق ولبنان.
ثالثاً: ترامب في ولايته الثانية، وإلغاء التأثير الإيراني في العراق:
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد دونالد ترامب فتح ملف النفوذ الإيراني في العراق باعتباره أحد أبرز ملفات الأمن القومي الأميركي. وباعتباره محاولة لإعادة رسم التوازن داخل العراق عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، مع التركيز على حكومة علي الزيدي كواجهة لتقليص النفوذ الإيراني.
1-الضغط الدولي والعقوبات:
ترامب أعاد تفعيل سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، ليس فقط عبر العقوبات الاقتصادية المباشرة، بل أيضًا عبر الضغط على الحكومة العراقية لتقليص التعامل مع الميليشيات المرتبطة بطهران. هذا المسار يهدف إلى تجفيف مصادر التمويل الإيراني داخل العراق، وإضعاف قدرتها على التحكم بالقرار السياسي.
2-إعادة بناء الدولة العراقية كساحة للمصالح الأميركية:
من خلال دعم حكومة علي الزيدي، يسعى ترامب إلى تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية، وخاصة الجيش والأجهزة الأمنية، لتكون بديلًا عن الميليشيات. إن هذه الخطوة تمثل محاولة لإعادة القرار العسكري إلى الدولة، وإلغاء دور الميليشيات كأداة رئيسية للنفوذ الإيراني.
3-ربط العراق بالموقف العربي:
إن أية محاولة لإلغاء التأثير الإيراني لا يمكن أن تنجح دون ربط العراق بالموقف العربي العام. ترامب، وفق هذه القراءة، يحاول الدفع باتجاه إدماج العراق في منظومة عربية–دولية، بحيث يصبح جزءًا من مشروع إقليمي يحدّ من قدرة إيران على استخدام الطائفية كأداة للهيمنة.
4-التفاوض الأميركي–الإيراني بعد 2026:
بعد اغتيال علي خامنئي، دخلت واشنطن وطهران في مرحلة تفاوض جديدة. ترامب استغل هذه اللحظة ليضع شروطًا تربط أي تفاهم بوقف دعم إيران لأذرعها في العراق. حكومة علي الزيدي، في هذا السياق، تُقدَّم كواجهة عراقية رسمية لتنفيذ هذه الشروط، ما يجعلها جزءًا من استراتيجية أميركية لإعادة القرار الحكومي إلى بغداد.
خاتمة
إن قراءة تطور الدور الإيراني في العراق تكشف مساراً متدرجاً من النفوذ الخارجي إلى الهيمنة الداخلية، ثم إلى شرعنة الحضور عبر مؤسسات الدولة، وصولاً إلى التراجع بفعل الضغوط الدولية والشعبية. هذا الدور لم يكن يوماً بديلاً عن الهيمنة الأميركية، بل شريكاً وظيفياً في إدارة الانقسام وإضعاف الهوية القومية العربية. ومع التحولات الأخيرة، يبقى مستقبل العراق مرهوناً بقدرته على استعادة قراره الوطني، وبمدى نجاح النظام العربي الرسمي في صياغة موقف موحّد يضع حدّاً للوصاية الخارجية ويعيد التوازن إلى المنطقة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غزة.. حماس تطالب الوسطاء بالتحرك وتوفير الحماية للمدنيين
.. ما أبرز الأهداف التي أمر ترمب بضربها في إيران؟
.. هل تستعد الولايات المتحدة لإنزال بري على إحدى الجزر الإيراني
.. دلالات استهداف إسرائيل لوحدة تابعة للجيش اللبناني
.. رسوم أمريكية بنسبة 50% تشعل التوتر التجاري مع كندا