الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من جراحة الجسد إلى مداواة الذاكرة: تأملات في أدب النزوح في آشور أنموذجاً للدكتور الجراح محمد أحمد موسى

داود سلمان عجاج
روائي، قاص

2026 / 7 / 8
الادب والفن


ثمة رسائل لا تكتبها الكلمات وحدها، وإنما تكتبها اختيارات أصحابها. ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن بطلها لم يكن طالباً في مقتبل العمر يسعى إلى نيل شهادة جامعية، بل طبيباً جرّاحاً أمضى سنوات طويلة وهو يتعامل مع أدق ما في الإنسان؛ دماغه ووعيه وحياته. ومع ذلك، ظل يحمل في داخله شغفاً آخر لا يقل أهمية عن مهنته، هو شغف اللغة العربية وآدابها.
وحينما تكمن الرغبة في الداخل وتجد لها متنفساً، تكتشف أن الطموح لا حدود له، وأن الأمل لا يكف عن التجدد مهما بلغت الدرجة العلمية أو المكانة المهنية. والدكتور الجراح محمد أحمد موسى، اختصاص جراحة الجملة العصبية، يمثل نموذجاً حياً لهذا المعنى؛ فقد اختار أن يدرس اللغة العربية وآدابها بدافع الحب والوفاء للغته الأم، وحين بلغ المرحلة الرابعة، وقع اختياره على كتاب "أدب النزوح في آشور" للدكتور محمد أحمد سلطان موضوعاً لبحث تخرجه في الدراسات الأولية.
ولم يكن هذا الاختيار عابراً أو وليد مصادفة؛ فالجراح يلتقي مع الأديب عند نقطة واحدة، إذ يحاول كلاهما إنقاذ الإنسان. غير أن الأول يرمم ما تصدع في الجسد، بينما يسعى الثاني إلى تضميد ما انكسر في الروح. وإذا كانت المشارط تعيد للإنسان نبضه، فإن الكلمة الصادقة تعيد إليه ذاكرته، والذاكرة هي النبض الآخر للأمم.
فهو بقدر ما كان ينقذ حياة أناس تهشمت جماجمهم وكان سبباً في عودتهم إلى الحياة، كان يحاول في الوقت ذاته أن يحفظ اللغة العربية في وجدانه ونطقه وكتاباته، مؤمناً بأن الإنسان لا يعيش بالعلم وحده، وإنما يعيش أيضاً بما يربطه بجذوره الثقافية والحضارية.
ومن هنا تبرز أهمية كتاب أدب النزوح في آشور، إذ لم يكن مجرد مؤلَّف يُقرأ ثم يوضع على رفوف المكتبات، بل تحول إلى مرآة شفافة تعكس الوجع الإنساني في أعمق تجلياته؛ ذلك الوجع الذي يستعصي على الوصف لأنه يمثل محاولة قاسية لاقتلاع الإنسان من أرضه، وانتزاعه من ذاكرته، وإبعاده عن الأماكن التي شكّلت هويته عبر السنين.
ولعل أدب النزوح لا يقتصر على تسجيل حادثة تاريخية أو توثيق مرحلة عصيبة من حياة الشعوب، بل يتجاوز ذلك ليصبح محاولة لفهم العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان. فالمكان ليس حدوداً جغرافية أو أبنية من حجر وطين فحسب، وإنما هو وعاء للذكريات، ومستودع للهوية، ومرآة تعكس ملامح الذات. وحين يُنتزع الإنسان من أرضه قسراً، لا يفقد منزله فقط، بل يفقد جزءاً من تعريفه لنفسه.
كم من عمر قضاه الإنسان في ألفة بيته، يستمع إلى خرير دجلة، ويتأمل صمت قلعة آشور العتيقة، أو يقطف أزهار الربيع في الواحات الخضراء، حتى غدت تلك الأمكنة امتداداً لروحه وجزءاً من نبضه اليومي. ثم تأتي لحظة قاسية، فيجد نفسه فجأة بعيداً عنها، وكأنه غصن اقتُلع من شجرته، أو طائر فقد طريقه إلى عشه الأول.
ولذلك، حين كتب أبناء الشرقاط عن تجربة النزوح، تنوعت أصواتهم بين الشعر والقصة والرواية والمقالة، لكنهم جميعاً التقوا عند جرح واحد؛ جرح اقتلاع الجذور. فكل كاتب عبّر عن ألمه بطريقته الخاصة، غير أن الوجع كان واحداً، والحنين كان واحداً، والخسارة كانت واحدة.
فمن يغادر دياره لا يرحل وحيداً، بل يترك أجزاءً من روحه معلقة هناك؛ في الأزقة التي عرفها، وفي الأشجار التي شهدت طفولته، وفي النوافذ التي كانت تطل على أحلامه الأولى. لذلك يبقى المكان حاضراً في الوجدان حتى بعد الغياب، وتبقى الذاكرة تقاوم النسيان مهما امتدت المسافات.
ولعل ما يمنح أدب النزوح فرادته أنه يجمع بين الخاص والعام؛ فكل تجربة نزوح تبدو في ظاهرها حكاية فرد أو مدينة أو قرية، لكنها في جوهرها تعبير عن القلق الإنساني الأزلي من الفقدان. ولذلك تتجاوز هذه النصوص حدود الجغرافيا لتصبح خطاباً إنسانياً عاماً، يفهمه كل من ذاق طعم الرحيل أو خبر مرارة الفقد.
وهكذا، تحول هذا العجز الظاهري عن مقاومة الظروف إلى قوة خلاقة. فصارت القصيدة سكناً بديلاً، والقصة ملاذاً مؤقتاً، والرواية وطناً رمزياً تُعاد فيه صياغة الحياة من جديد. ولم تعد الكتابة مجرد توثيق للنكبة، بل أصبحت فعلاً مقاوماً للنسيان، ومحاولة دؤوبة لإعادة بناء الذات المبعثرة على أنقاض الغياب.
وفي هذا السياق تتجلى قيمة كتاب الدكتور محمد أحمد سلطان، فهو لا يوثق تجربة نزوح فحسب، بل يرصد كيف استطاع الإنسان أن يحول المحنة إلى نص، والألم إلى معنى، والغياب إلى حضور دائم في الذاكرة الجمعية.
وفي النهاية، لم يكن أدب النزوح مجرد استجابة عاطفية لحدث عابر، بل تحول إلى ذاكرة جمعية تحفظ ما عجز الحجر عن حفظه. فالمنازل قد تهدم، والطرقات قد تتبدل، لكن الكلمات تمتلك قدرة نادرة على مقاومة الفناء. لذلك ظل النازح يحمل وطنه معه، لا في حقيبة سفره، بل في قصيدة يكتبها، أو قصة يرويها، أو ذكرى يورثها لأبنائه. وربما كانت هذه هي المعجزة الخفية للأدب؛ أن يعيد للمكان حضوره بعد غيابه، وأن يمنح الإنسان قدرة على البقاء، حتى وهو يسير بين أنقاض ما كان يوماً وطناً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه


.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_




.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن


.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل




.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا