الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة واستحقاقات المواطن في الواقع التنموي.

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 7 / 9
المجتمع المدني


يمر العراق اليوم بمنعطف تاريخي يفرض إعادة النظر في العقد الاجتماعي والاقتصادي الذي يربط المواطن بالدولة.
فلم يعد الفرد العراقي يلتفت إلى الوعود أو يكتفي بالمسكنات المؤقتة، بل اصبح يبحث عن ركائز بنيوية مشروعة تمثل الحد الأدنى والواجب للعيش الكريم.
ركائز تضمن استقراراً سياسياً حقيقياً، وفرصة عمل حرة كأمان اقتصادي مستدام، ومستقبلاً واضح المعالم للأجيال القادمة.
إن التطلع نحو بناء دولة تحمي الأفراد بقانون عادل وتفتح الأبواب أمام المبادرات الفردية دون تعقيدات بيروقراطية، هو حاجة اجتماعية ملحة للخروج من نفق الأزمات الهيكلية المتراكمة. ومن هنا تبرز الحاجة الراهنة لتفكيك مفهوم العمل السياسي التقليدي، وتحويله من فضاء الخطابات والشعارات الحماسية أو السطحية، إلى مساحة لتقديم الحلول البرغماتية والتنفيذية التي تلامس الحياة اليومية للمواطن وثروة الوطن.
▪️الجذور التاريخية لفك التقييد وفكرة أمارجي كمنطلق:
عند العودة إلى القراءة الفكرية المعمقة لتاريخ وادي الرافدين، نجد أن مفاهيم العدالة والحرية ليست غريبة على العمق الحضاري لهذه الأرض، بل هي نتاج أصيل لها. على سبيل المثال، يحمل مصطلح (أمارجي) دلالة تاريخية وفلسفية عميقة، باعتباره أقدم مفهوم تدويني في تاريخ البشرية يشير إلى الحرية، والعودة إلى الأصل، ورفع الأعباء، ومحاربة الفساد والظلم والديون المتراكمة لتحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية.
واليوم، لا ينبغي أن يظل هذا الإرث حبيس المتاحف أو كتب التاريخ، بل تبرز الأهمية القصوى لتحويله إلى رؤية عصرية تواكب التحديث وتلبي متطلبات الدولة الحديثة. وهذا تماماً ما تحاول تطبيقه أدبيات (الليبرالية المحافظة) والتبشير به، عبر تقديم مقاربة سياسية واقعية توازن بدقة بين الحرية الفردية والمسؤولية المجتمعية، مرتكزة على ركائز أساسية تشكل خارطة طريق للعبور نحو التنمية المستدامة:

1/بناء اقتصاد الفرص وتفكيك البنية الريعية:
إن النهوض الفعلي يبدأ من التحول نحو تمكين الشباب وتسهيل البيئة الاستثمارية للمشاريع الناشئة والصغيرة وتحرير القطاع الخاص من هيمنة الروتين الحكومي.
إن تحويل الطاقات الشابة المعطلة من عبء على الموازنة التشغيلية للدولة إلى قوى منتجة تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، هو الحجر الأساس والخطوة الحتمية لتفكيك الدولة الريعية المعتمدة كلياً على تقلبات أسعار النفط.

2/مأسسة المواطنة ومعيار الكفاءة (تفكيك المحاصصة):
العبور نحو المستقبل يتطلب الانتقال الحاسم نحو مجتمع تُقاس فيه قيمة الإنسان ومكانته بعطائه وكفاءته العلمية والعملية. هذا الانتقال يفرض بالضرورة السيادة المطلقة للقانون وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن الواحد، دون تمييز أو ارتهان لمنطق المحاصصة والزبائنية السياسية التي استنزفت مقدرات الدولة ومؤسساتها وأعاقت تكوّن الهوية الوطنية الجامعة.

3/التحديث المتوازن وحماية الهوية المجتمعية:
إن التحدي الأكبر لليبرالية المحافظة والواقعية في مجتمعاتنا يكمن في كيفية مواكبة العصر والتطور الاقتصادي العالمي، مع التمسك الراسخ بالقيم المجتمعية الأصيلة التي تدعم الترابط والاستقرار السلمي. الدولة الحديثة في رؤيتنا لا تعني التغريب أو الانسلاخ من الجذور، بل تعني تحصين المجتمع بقيم الإنتاج والمسؤولية الفردية وسيادة القانون مع احترام الخصوصية الثقافية كعامل استقرار لبيئة الاستثمار والتنمية.

4/الحوكمة الرقمية وإصلاح الإدارة العامة:
لا يمكن بناء اقتصاد حر أو دولة حديثة في ظل جهاز إداري متضخم ومقيد للنمو. إن الركيزة الرابعة تتطلب ثورة إدارية حقيقية عبر (أتمتة) الخدمات الحكومية والتحول نحو الحوكمة الرقمية الشاملة. هذا الإجراء ليس تقنياً فحسب، بل هو الأداة الأكثر واقعية لتجفيف منابع الفساد المالي والإداري، وتقليل التماس المباشر بين الموظف والمواطن، وتسريع وتيرة الأعمال والمشاريع.

5/التنمية المكانية المستدامة والأمن الغذائي والمائي:
إن التنمية المستدامة تفرض مغادرة سياسة (المركزية المقيدة) والتوجه نحو تنمية المحافظات والأقاليم بناءً على ميزاتها التنافسية. ويشمل ذلك إطلاق مبادرات زراعية وصناعية متكاملة (كالمشاريع الزراعية والحيوانية الحديثة المتكاملة) التي تستخدم التكنولوجيا لترشيد استهلاك المياه، وضمان الأمن الغذائي، وتحويل الأطراف والمحافظات إلى مراكز جذب اقتصادي تخفف الضغط السكاني والتنموي عن العاصمة.

6/العدالة الجيلية وضمان السيادة المستقبلية:
تقتضي المسؤولية المجتمعية والواقعية السياسية ألا نستهلك حقوق الأجيال القادمة لتغطية نفقاتنا الاستهلاكية الحالية. تتلخص هذه الركيزة في ضرورة تأسيس صناديق سيادية استثمارية حقيقية تُوجّه إليها نسب من عائدات الموارد الطبيعية، ليتم استثمارها في قطاعات حيوية ومستدامة (كالطاقة المتجددة، التكنولوجيا، والبنى التحتية للتجارة والترانزيت)، بما يضمن ديمومة الثروة الوطنية وعيشاً كريماً لأبنائنا.
نحن نسعى للبديل الواقعي والمشروع الوطني الجامع
وبناء المستقبل وصياغة معالم الدولة الحديثة وهذا هو مشروعنا الوطني الشامل الذي تتكامل فيه جهود كل القوى الوطنية المخلصة. وإن خلق البيئة القانونية والاقتصادية العادلة والمستقرة هو السبيل الوحيد لإتاحة الفرصة لكل فرد لتحقيق طموحه الإنساني بكرامة وأمان.
إن ما تحتاجه الساحة العراقية اليوم ليس طرحاً فكرياً معزولاً في الغرف المغلقة، بل بديل عملي برغماتي قادر على الإنتاجية وإيجاد الحلول.
ومن هنا نرى في (الليبرالية المحافظة والواقعية) مساراً تنفيذياً واضح المعالم: يبدأ بفتح الأبواب أمام المبادرات الفردية وحرية السوق، ويمر عبر التفكيك الجذري لمنظومة المحاصصة وأتمتة الدولة، وينتهي بمأسسة المواطنة والعدالة الجيلية. هذا هو الطريق الواقعي الملموس لضمان العيش الكريم للمواطن، والعبور الآمن والمستدام نحو المستقبل الذي يستحقه العراق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع