الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي

عماد الطيب
كاتب

2026 / 7 / 9
سيرة ذاتية


قالوا لي: لماذا كل هذا الحزن الذي يسكن كلماتك؟
لم أجبهم.
فبعض الإجابات لا تُقال إلا لمن كان سبب السؤال.
أما أنت...
فلو سألتني يوماً، لقلت إن الحزن لم يكن اختياري، بل كان العمر حين انتهى من تهذيب أوهامي.
كنت أعتقد أن الحياة تُعطى لمن ينتظرها، وأن الطرق الطويلة تنتهي دائماً عند نافذة مضيئة، وأن الإنسان إذا أحب شيئاً بما يكفي، فإن السماء تخجل من خذلانه.
لكنني كبرت...
واكتشفت أن السماء لا تخجل.
وأن الزمن لا يعتذر.
وأن بعض الأشياء لا تضيع لأنها كانت بعيدة، بل لأنها كانت قريبة جداً حتى ظننا أنها لن ترحل.
لم أعد أكتب لأنني أجيد الكتابة.
أكتب لأن في داخلي مقبرةً لا تتسع لموتٍ جديد.
كل يوم يدفن شيئاً آخر.
رغبةً...
أملاً...
انتظاراً...
أو جزءاً صغيراً من ذلك الرجل الذي كنت أعرفه.
أتعلمين ما الذي يفعله العمر بالإنسان؟
لا يجعله أكثر حكمة كما يقولون.
بل يجعله أقل قدرة على التصديق.
يفتح عينيه جيداً حتى يرى الحقيقة عارية، ثم يتركه وحيداً أمامها.
وحين يرى الحقيقة، لا يعود قادراً على العودة إلى الوهم، حتى وإن كان الوهم أكثر رحمة.
كنت أخاف من الشيخوخة لأنني كنت أظنها تجاعيد على الوجه.
واليوم...
أخافها لأنها أصبحت تجاعيد في الروح.
صار التعب يسكن الأماكن التي لا يراها أحد.
وصارت الضحكة تحتاج إلى معجزة.
وصار القلب، كلما أراد أن يفرح، تذكر أن الفرح أيضاً يرحل.
لم يعد يؤلمني أن الأشياء انتهت.
ما يؤلمني أنني كنت أؤمن بأنها لن تنتهي.
ذلك الإيمان هو الذي مات أولاً.
ومنذ موته، وأنا أشيّع نفسي بصمت.
أتعلمين...
هناك مرحلة من العمر لا يعود الإنسان فيها ينتظر الغد.
ليس لأنه يئس.
بل لأنه أدرك أن الغد يشبه الأمس أكثر مما يشبه الحلم.
في البداية كنا نعد السنوات حتى نكبر.
ثم أصبحنا نعدها خوفاً من أن تكبر فينا.
وها أنا أقف على حافة العمر، لا أنظر إلى ما بقي، بل إلى ما تسرب مني دون أن أشعر.
كم حلماً خرج من يدي كما يخرج الماء من بين الأصابع.
وكم أمنية ظلت تنمو داخلي حتى ذبلت دون أن تولد.
وكم كلمة احتفظت بها لأنني كنت أظن أن الوقت المناسب سيأتي.
لكن الوقت المناسب...
كان هو الشيء الوحيد الذي لم يأتِ.
أتعلمين لماذا تبدو كلماتي سوداء؟
لأن البياض يحتاج إلى مستقبل.
وأنا لم يعد لدي إلا الماضي.
الماضي وحده يجلس معي كل مساء.
يعيد الوجوه نفسها.
والأماكن نفسها.
والأصوات نفسها.
ثم يسألني بسخرية:
هل كنت تظن أن العمر ينتظر أحداً؟
لا...
العمر لا ينتظر.
إنه يمر فوقنا كما تمر الريح فوق شجرة يابسة.
لا يسمع أحد صوت انكسار الأغصان.
لكن الشجرة تعرف.
وحدها تعرف.
لم يعد يؤلمني الموت كما كان.
لقد صار الموت فكرة مألوفة، كمسافر أعرف أنه سيطرق الباب يوماً.
ما يؤلمني حقاً...
أنني متُّ مرات كثيرة قبل أن يأتي.
في كل خيبة.
وفي كل انتظار طال أكثر مما ينبغي.
وفي كل حلم صدقت أنه كُتب لي، ثم اكتشفت أنه كان مكتوباً لغيري.
ربما لهذا أصبحت صامتاً أكثر.
ليس لأن الكلام انتهى.
بل لأن الكلمات أيضاً تشيخ.
وفي الشيخوخة، لا تعود اللغة قادرة على حمل كل هذا الخراب.
لو سألتني الآن ماذا بقي لك؟
لقلت:
بقي ظل رجل، يمشي ببطء بين المقابر التي يسميها الآخرون ذكريات.
يحاول أن يبدو بخير، بينما هو يعرف أن الإنسان لا ينكسر في اللحظة التي يبكي فيها، بل في اللحظة التي يتوقف فيها عن انتظار شيء يفرحه.
لهذا لا تلومي كلماتي.
إنها ليست حزينة...
إنها متعبة.
متعبة من الركض خلف الأشياء التي كانت كلما اقتربت منها، ابتعدت أكثر.
ومتعبة من التصديق.
ومتعبة من مقاومة الزمن.
وأكثر ما أتعبها...
أنها كانت تؤمن أن بعض الوجوه لا يمكن أن تصبح غياباً.
ثم علمها العمر أن الغياب ليس أن يرحل أحد.
الغياب الحقيقي...
هو أن يبقى كل شيء في مكانه، بينما الذي كان يسكن قلبك، لم يعد يسكن العالم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة عسكرية| هجمات بحرية قرب عُمان.. ماذا يجري في مضيق هرمز


.. ما أبرز الهجمات الإيرانية على دول المنطقة؟.. التفاصيل مع مرا




.. المدير السابق لحملة ترمب في ولاية ديلاوير: -التصعيد العسكري


.. إسرائيل في قلب الأزمة.. كيف تؤثر على حسابات واشنطن وطهران؟




.. إغلاق المجال الجوي الكويتي مع تصدي الدفاعات لهجمات إيرانية