الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مؤامرة الاقصاء
محمد الهنبوت
2026 / 7 / 9كتابات ساخرة
تقول العبارة المنسوبة إلى عائشة الحرة، أم أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك الأندلس: ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال. لم تكن تلك الجملة مجرد تقريع أم لابنها، بل كانت ختاما داميا لسبعة قرون من المجد والحضارة، يوم وقف الملك المهزوم على تلة الوداع ينظر إلى غرناطة وهي تنفرط من بين يديه، بعدما سلم مفاتيحها إلى فرناندو وإيزابيلا، وطوى بارتجافة ضعف صفحة كانت يوما فردوسا تتغنى به الأمم.
في ذلك المشهد الأندلسي الحزين، لم تكن الدموع هي الخطيئة الكبرى، بل كان ما سبقها: سوء التدبير، وتراكم الوهم، والاطمئنان إلى أسوار نخرتها الغفلة، والانشغال بتبرير الهزيمة بدل منعها. فغرناطة لم تسقط في لحظة تسليم المفاتيح وحدها، بل سقطت قبل ذلك حين ضاعت البصيرة، وتفرقت الإرادة، وغلب صوت العناد على حكمة النجاة. لذلك بقي بكاء أبي عبد الله في ذاكرة التاريخ رمزا لمن أضاع الملك، ثم بحث في الدمع عن عزاء لا يمنح الغفران.
وما أشبه سبعة قرون من المجد الأندلسي بثلاثة أرباع مباراة كروية ظنت فيها الجماهير المصرية أن الحلم صار حقيقة. فكما امتدت غرناطة زمنا طويلا شاهدة على العظمة قبل أن تنكسر في المشهد الأخير، ظل نصر الأمس قائما بهدفين لصفر حتى الدقيقة الثمانين، كأن لوحة الفرح اكتملت، وكأن أبواب المجد فتحت، وكأن الأمة الكروية أمسكت أخيرا بخيط حلمها الكبير. كان التقدم بهدفين أشبه بأسوار الحمراء في بهائها الأخير، شامخا في الظاهر، لكنه ينتظر قائدا يعرف كيف يحرسه حين تهب رياح الخطر.
لكن الدقيقة الثمانين كانت كأنها بداية الانحدار من جبل غرناطة. هناك بدأ النصر يتآكل، لا دفعة واحدة، بل كما تتسرب الهزيمة إلى المدن حين تغيب الفطنة ويحل الارتباك. هدف أول أعاد الخوف إلى القلوب، ثم هدف ثان حول الطمأنينة إلى رجفة، جاء كالسيف القاطع، فانقلب ما كان فوزا مؤكدا إلى تعادل موجع، ثم إلى هزيمة تامة سلمت فيها مفاتيح المباراة لمن عرف كيف ينتظر لحظة سقوط الحارس عن بوابته.
لم يضع النصر بالأقدام وحدها، ولا بعبقرية ميسي وحدها. لقد ضاع لأن القيادة الفنية لم تعرف كيف تحمي ما امتلكته، ولم تحسن إدارة اللحظة الفاصلة حين تصبح المباراة ملكا لمن يملك أعصابه، لا لمن يرفع صوته. وكما دخل فرناندو غرناطة من أبواب فتحتها الهشاشة، دخل ميسي إلى قلب الحلم من ثغرات صنعتها الحيرة والتردد وسوء القراءة، فوجد أمامه مفاتيح الفوز سائبة في الدقائق التي لا ترحم.
ثم جاءت الدموع، لكنها لم تكن وحدها عنوان السقوط. كان قبلها وبعدها خطاب المظلومية، ونبرة الفرعنة، والاحتماء بمفردات الكولسة والمؤامرة، كأن الهزيمة لا تصنعها الأخطاء، وكأن النصر لا يضيع إلا بفعل قوى خفية تتربص من وراء الستار. غير أن الجماهير لا تخدع طويلا بهذه اللغة ،فهي تعرف أن المؤامرة الحقيقية أحيانا تكون في العناد، وأن الكولسة الأخطر هي تلك التي يجريها المدرب مع أوهامه، حين يصدق أنه أكبر من النقد وأعلى من الحساب.
لقد كان المطلوب قائدا يطفئ رعب الدقائق العشر الأخيرة، فإذا بالمشهد يكشف رجلا يطلب من الضجيج أن يغطي عجز الخطة، ومن رواية الاضطهاد أن تمحو آثار القرار الخاطئ. وحين تتقدم التبريرات على الشجاعة، وتسبق الشكوى مراجعة النفس، يصبح البكاء جزءا من المشهد لا خلاصا منه لأن القائد الذي يضيع فوزا بهدفين بعد الدقيقة الثمانين لا يكفيه أن يذرف الدمع، بل عليه أن يعترف أولا بأنه ترك الباب مواربا، وأنه سلم مفاتيح الفوز بيده قبل أن ينتزعها الخصم بقدمه.
هكذا انتقل التاريخ من تلة وداع غرناطة إلى مدرجات الأمس، ومن سبعة قرون انتهت بتسليم مدينة، إلى ثمانين دقيقة انتهت بتسليم مباراة. وبين أبي عبد الله الصغير وحسام حسن مسافة قرون، لكن العبرة واحدة ،المجد لا تحرسه الدموع ولا تستعيده روايات المؤامرة، ولا يحميه غرور القادة، المجد يحتاج إلى عقل بارد، وشجاعة في القرار، وتواضع أمام الحقيقة. أما من يفرط فيه وهو متقدم، ثم يقف على أطلاله باكيا، فلن يمنحه التاريخ سوى جملة قاسية تتردد عبر الأزمنة، ابك ما شئت فقد ضاع ما كان يجب أن يحمى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا