الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
يوميات الحرب والحب والخوف (68)
حسين علي الحمداني
2026 / 7 / 9الادب والفن
كانت ترتب الحقيبة، بينما كنت أراقب حركة يديها. كانت تعرف مكان كل شيء قبل أن تلتقطه. نظرت إليّ وقالت:
سترتدي هذا البنطلون، وهذا التيشيرت، وهذه آخر علبة من سجائرك، وهذا جواز سفرك وتذكرة الطيران. طائرتك من قرطاج إلى القاهرة الساعة الثالثة زوالاً، وهذا يعني أننا سنتغدى معاً في تونس.
وأتعشى في مطار القاهرة.
بالحق، القاهرة مولعة. مظاهرات ضد حكم مرسي، وقد تضطر إلى البقاء في المطار.
لا بأس، طائرتي إلى بغداد تقلع فجراً. عشر ساعات ترانزيت، أشاهد خلالها نهائي كأس القارات.
وهذه الدشداشة سأضعها في الحقيبة صباحاً، فهي آخر ما سترتديه هنا.
أصل بغداد مع شروق الشمس إذن.
صح. تتغدى مرق علوش مع الأرز في تونس، وتتعشى كشري في القاهرة، وتفطر بيض عيون في بغداد.
مشهد لا يحدث إلا في السينما... أو في حياة ياسر عرفات.
ضحكت، ثم غادرت بعدما وعدتني أن تأتي في التاسعة صباحاً لنفطر معاً قبل التوجه إلى المطار.
كنت أحتاج إلى قليل من النوم. قبل أن أتمدد شربت كوباً من الشاي، وأكلت بعض البسكويت، وأشعلت سيجارة. بقيت كلماتها عن القاهرة تدور في رأسي؛ عشر ساعات في مطار كبير ليست زمناً طويلاً، بل محطة أخرى في رحلة امتلأت بالمحطات.
استيقظت على شاشة الهاتف. كانت السادسة صباحاً.
دخلت الحمام. كان ذلك الدوش الأخير. لامست مياه زغوان جسدي بهدوء، بينما ذابت آخر قطعة من الصابونة بين يدي، كأنها هي الأخرى أنهت رحلتها.
علقت نظري بالخاولي الأزرق. رافقني في أسفار كثيرة حتى كدت أستخرج له جواز سفر. ابتسمت وأنا أطويه.
وضعت إبريق الشاي على النار، وخيّل إليّ أنه يحتفظ ببصمات أصابعي، مثلما يحتفظ الكوب بآثار الشاي الذي جمعنا طوال الأيام الماضية.
أخرجت بيضتين، ورششت عليهما قليلاً من زيت الزيتون القادم من مزرعة أمي. كان ذلك يكفي لإعداد بيض عيون مع رغيفين طريين، أما السكر والشاي والماء فكانت تنتظرنا على الطاولة.
جلست في الشرفة.
كان البحر ساكناً، والنسيم يمر خفيفاً. ذاب آخر بسكويتة في فمي، بينما أخذ دخان سيجارتي طريقه فوق المتوسط، كأنه يعبر ثلاث قارات دفعة واحدة.
سكبت كوباً ثانياً من الشاي، وشعرت أن الحياة يمكن أن تكون بسيطة إلى هذا الحد؛ كوب شاي، وبحر، وصباح هادئ، بعيداً عن الحروب والخوف.
رن الهاتف.
كانت هي.
حضّر الفطور... بيض عيون. ابتسمت وقلت:
كل شيء جاهز، صغيرتي الجميلة.
وصلت بعد قليل. دخلت بابتسامتها التي كانت تكفي لتعلن بداية صباح جديد.
جلست تأكل بشهية، بينما كنت أتناول طعامي ببطء.
قالت:
يعجبني أنك تأكل بهدوء.
ضحكت وقلت:
بيضة لي... وبيضة لك.
قالت وهي تصب الشاي:
يبدو أنك أتقنت قلي البيض.
والشاي هو سر النجاح.
بينما كانت ترتب الأطباق، أنهيت ارتداء ملابسي، وبقيت الدشداشة آخر ما دخل الحقيبة، فيما ظل الخاولي الأزرق في يدي.
سألتني:
هل نسيت شيئاً يا حسوني؟
لا، كل شيء جاهز.
وأنا أيضاً. فقط سأخبر مالكة الشقة أين وضعت المفتاح. وبالمناسبة، دع الخاولي معك، لا تضعه داخل الحقيبة.
خرجنا.
هذه المرة كانت هي التي تعد درجات السلم:
اثنان... واحد... رصيف.
استقرت الحقيبة في صندوق السيارة، أما الخاولي فبقي في يدي.
أدارت المحرك، ثم توقفت لحظة وقالت:
خذ هذه الحقيبة الرياضية الصغيرة، وضع الخاولي فيها.
يبدو أنه مدلل.
وضعت فيها بسكويتاً، ولوح شوكولاتة صغيراً، وعلبة سجائر احتياطية. أعرف أنك قد تجوع. هذه ستبقى معك داخل الطائرة.
انطلقنا نحو العاصمة.
كانت سوسة تبتعد خلفنا، فيما كنت أتابع أعشاش اللقالق فوق أعمدة الكهرباء. تعود إليها كل عام، وكأنها لا تخطئ طريق العودة.
قالت:
استمتعت يا حسوني؟
أكثر مما يتخيله أي سائح. كنت أعيش الرحلة، لا أزورها فقط.
تونس بلدك، وحنان معك دائماً. ما عليك إلا أن تقول: نويت أزور تونس.
ضحكت، فضحكت معها.
قلت:
ألم أقل لك؟ بعد الجمال والذكاء والحنان، أضيف الضحك ليصبح رابع أركان الأنوثة.
وأنت تجيد مغازلة المرأة دون أن تجرح حياءها.
وصلنا إلى العاصمة.
في المطعم نفسه الذي بدأنا منه الرحلة قبل عشرة أيام تناولنا غداءنا الأخير. وبينما كنا نمد أيدينا إلى الصحون، التقت أصابعنا مصادفة، فابتسم كل منا للآخر دون كلام.
بعدها اتجهنا إلى المطار.
قالت:
عندما ترتب مكتبك في مدرستك الجديدة، أرسل لي الصور.
بالتأكيد، التكنولوجيا اختصرت المسافات وألغت الانتظار.
وعندما تصل القاهرة اتصل بي. أنا لا أودعك... أنا فقط أحدد موعد لقائنا القادم.
وقفت أمامها.
قبلتها، ثم قبلت يديها.
لوّحت لي بخصلات شعرها، ولوّحت لها بوعد جديد.
عند الساعة الثالثة والربع من بعد ظهر الثلاثين من حزيران 2013، أقلعت الطائرة.
ومن نافذتها رأيت الطريق المؤدي إلى سوسة، وتخيلت سيارة حنان تمضي عليه. لم أكن أرى السيارة بوضوح، لكنني كنت أرى خصلات شعرها تلوح في ذاكرتي، وتذكرني بأن بيننا موعداً مؤجلاً... لا وداعاً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا