الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


النمرود !؟

حسن مدبولى

2026 / 7 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لا تقتصر مأساة التاريخ الانسانى في ظهور الطغاة بين الحين والآخر ، فهذه سنة صاحبت الإنسان منذ عرف السلطة، وإنما المأساة الأخرى أن كل طاغية من هؤلاء يظن، في اللحظة التي يبلغ فيها ذروة قوته، أنه أول من اكتشف سر الخلود، وأن التاريخ الذي ابتلع آلاف الملوك سيقف احترامًا لعرشه وحده، وبالتالى يستفيض فى طغيانه وبغيه وتوحشه واهداره لمقومات ملكه وسحقه لبنى شعبه دون خوف أو رادع !
و النمرود كمثال لهذا الصنف من الحكام، ليس مجرد شخصية غابرة في رواية دينية أو إسطورة تراثية، بل هو رمز خالد لعقلية تتكرر كلما توهم حاكم ما أن القوة الطاغية تستطيع أن تنتصر على الزمن، وأن الحصون المنيعة التي يشيدها أقدر على البقاء من إرادة الشعوب وصيرورةالتاريخ .
وحين ننزع عن الرواية الدينية للنمرود ثوبها الأسطوري وننظر إليها بعين التاريخ، ستبدو شخصيته أقرب إلى النموذج الأول للحاكم المستبد الذي لم يكتف بأن يحكم الناس، بل أراد أن يمتلكهم، فهو كما تصفه الروايات القديمة، أول من أقام سلطانًا واسعًا في بابل وبلاد الرافدين ، وأول من جعل من القوة قانونًا، ومن الخوف نظامًا، ومن الطاعة المطلقة أساسًا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى غدت الدولة ملكًا لشخص واحد، وغدا الناس مجرد أدوات في خدمة سلطانه. ولم يكن وصفه بأنه "جبار في الأرض" احتفاءً بقوته، بقدر ما كان وصفًا لمرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية ، انتقلت فيها السلطة من حماية الجماعة إلى إخضاعها، ومن خدمة المجتمع إلى السيطرة عليه.
لهذا لم يكن غريبًا أن يقترن اسم النمرود في التراث القديم بالحصون الشاهقة وبرج بابل، لأن البرج لم يكن في جوهره بناءً من الطوب والحجارة، بل كان إعلانًا صريحًا عن لحظة اغترار الإنسان بنفسه حين ظن أن بإمكانه أن يرفع سلطانه فوق نواميس الكون، وأن يجعل من الحجر سلّمًا يصعد به إلى السماء ليقاتل الإله نفسه !!
و الثابت انه منذ ذلك الحين لم تتغير الفكرة، إنما تغيرت أدواتها مع مرور الزمن ، فما كان يُبنى بالحجارة أصبح يُبنى بالإسمنت والفولاذ، وما كان يحرسه الجنود على الأسوار أصبحت تحرسه أجهزة تكنولوجية لا تعمى ولا تنام، وما كانت تبرره الأساطير، أصبحت تمرره وتشرعنه آلات الدعاية وتعاليم الكهنة الجدد ،
أما الوهم فقد بقي هو نفسه، يتوارثه الطغاة جيلاً بعد جيل، وهو الاعتقاد بأن الجدران تستطيع أن توقف التاريخ، وأن الجيوش تستطيع أن تهزم الزمن، وأن السلطة إذا بلغت من البطش ما بلغت أصبحت بمنأى عن سنن الحياة.
غير أن التاريخ لا يعترف بهذه الأوهام، لأنه لم يكتب يومًا شهادة عدم فناء لعرش أو سلطان، ولم يمنح حصانة دائمة لقصر، ولم يجعل القوة والبطش الاجرامى سببًا للخلود على وجه الأرض.
ولعل أكثر ما يعمي الطغاة أنهم يتصورون أن سقوط الممالك يبدأ عندما تُهدم الأسوار، بينما الحقيقة أن الأسوار لا تسقط إلا بعد أن يكون أصحابها قد سقطوا في الوهم. فحين يتحول الحاكم إلى سجين داخل قلاعه، ويصبح محاطًا بطبقات لا تنتهي من الحراسة والسدنة والمنتفعين الفاسدين ، ويزداد خوفه من شعبه كلما ازدادت قبضته عليه، تكون الهزيمة قد بدأت بالفعل، وإن ظلت الأعلام مرفوعة، والقصور عامرة، والجيوش مصطفة في ساحات العرض.
التاريخ يتكرر ، وتتعاقب الوجوه وتختلف الأسماء، بينما يبقى النمط واحدًا لا يتبدل. يبني الطاغية حصونه وهو يظن أنه يبني مستقبله، فإذا به يبني شاهده الجنائزي، ويجمع أسباب القوة وهو يعتقد أنه يؤسس للخلود، فإذا به يسرّع النهاية التي يحاول الهرب منها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حملة تهاجم المسلمين في أوروبا.. من يقف وراءها؟


.. الجيش الإسرائيلي: اعتراض مسيرة تابعة لحزب الله في جنوب لبنان




.. تصريحات ترمب تعيد نزاع جزر فوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا


.. أخطر موقع إيراني.. ترمب: قد نضرب جبل الفأس




.. حصريا.. لحظة دخول الحماية المدنية إلى البئر العالق بها الطفل