الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العدالة أساس الاستقرار

صفاء العطية التميمي

2026 / 7 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


المقال التاسع: العدالة أساس الاستقرار. ضمن سلسلة مقالات اختيار الدولة قبل السلطة

ليست قوة الدولة في كثرة القوانين التي تصدرها، ولا في حجم أجهزتها الأمنية، ولا في مقدار ما تملكه من موارد، بل في شعور مواطنيها بأن العدالة تُطبق على الجميع دون استثناء. فحين يغيب العدل، تبدأ الثقة بالتآكل، وعندما تنهار الثقة، يصبح الاستقرار هشًا مهما بدت الدولة قوية من الخارج.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن المجتمعات لا تنهار بسبب الفقر وحده، ولا بسبب الاختلافات السياسية وحدها، وإنما عندما يقتنع المواطن بأن حقوقه تعتمد على النفوذ أو الانتماء أو العلاقات الشخصية، لا على القانون. عندها تتحول الدولة في نظر الناس من حامٍ للحقوق إلى طرف في النزاع، وتبدأ الفجوة بين المواطن والمؤسسات بالاتساع.

إن العدالة ليست شعارًا أخلاقيًا، بل هي ركيزة إدارية وسياسية واقتصادية. فالمستثمر يبحث عن قضاء عادل قبل أن يبحث عن الأرباح، والموظف يطمئن عندما يعلم أن الترقية تعتمد على الكفاءة، والمواطن يلتزم بالقانون عندما يرى أن الجميع يخضعون له دون تمييز.

ولهذا فإن الدولة التي تسعى إلى الاستقرار الحقيقي لا تبدأ بتشديد العقوبات، بل تبدأ بضمان المساواة أمام القانون، وحماية الحقوق، ومنع التمييز، ومحاربة الفساد، وإرساء قضاء مستقل ونزيه. فالعدالة ليست نتيجة للاستقرار، وإنما هي السبب الذي يصنعه.

إن مشروع بناء الدولة الذي نتبناه لا يمكن أن ينجح إذا بقيت العدالة انتقائية، أو خاضعة للمصالح السياسية، أو متأثرة بالضغوط الحزبية. فالدولة التي تساوي بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات هي وحدها القادرة على صناعة ولاء وطني حقيقي، لأنها تجعل المواطن يشعر أن انتماءه للوطن هو الضمان الأول لكرامته.

ومن هنا، فإن العدالة ليست مسؤولية القضاء وحده، بل هي مسؤولية كل مؤسسة، وكل مسؤول، وكل موظف يتخذ قرارًا يمس حياة الناس. فالقرار العادل يبني ثقة، والثقة تبني استقرارًا، والاستقرار يفتح الطريق أمام التنمية والإصلاح.

وفي السلسلة التي بدأناها باختيار الدولة قبل السلطة، تأتي العدالة لتؤكد أن الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض النظام فحسب، بل بقدرتها على حماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية. فالسلطة قد تفرض الهدوء مؤقتًا، أما العدالة فهي التي تصنع الاستقرار الدائم.

ولذلك فإن الدولة التي نحلم بها ليست دولة يخافها المواطن، بل دولة يثق بها، لأن العدالة فيها لا تعرف حزبًا ولا طائفة ولا قومية، وإنما تعرف إنسانًا له حق يجب أن يُصان، وواجب يجب أن يُؤدى.

والحديث في المقال القادم سيكون عن: "المواطنة قبل الانتماءات الضيقة"، لأن العدالة عندما تستقر، يصبح الانتماء للوطن أقوى من أي انتماء آخر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 111 قتيلا إثر زلزال بقوة 7.4 درجات يضرب كولومبيا والرئيس يعل


.. المؤسسة الليبية للنفط: تعرض مصنع خلط وتعبئة الزيوت في الزاوي




.. خارج الصندوق | غليان في عين العرب وإحراق العلم السوري.. وإير


.. خارج الصندوق | -لا داعي للقلق-.. أول تعليق إيراني على اتفاقي




.. خارج الصندوق | الحوثيون يوسعون دائرة الصراع.. والعليمي يحذر: