الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا تنتهي

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 7 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


كلما اقترب الرابع عشر من تموز، عاد العراق إلى السؤال نفسه، وكأنه لم ينجح طوال ثمانية وستين عامًا في الاقتراب من جوابٍ يرضي الجميع: هل كان ما جرى ثورة أم انقلابًا؟ والمفارقة أن هذا السؤال، على أهميته، ربما يكون السؤال الخطأ. فالمشكلة لا تكمن في التسمية بقدر ما تكمن في الطريقة التي نعرف بها التاريخ، والطريقة التي نستخدم بها الذاكرة لصناعة الأحكام. وقد أشارت السيدة نعيمة العسكري، شقيقة مؤسس الجيش العراقي الفريق الركن جعفر العسكري، وزوجة نوري السعيد، هذا الجدل إلى الواجهة من خلال نص مؤثر يروي جانبًا من الأيام الأخيرة للنظام الملكي. فهي تستذكر كيف نجا أفراد من عائلة نوري السعيد لأنهم كانوا في لندن، وتتحدث عن برقيات استدعاء عاجلة، وعن شيفرات سرية، لتنتهي إلى نتيجة مفادها أن ما حدث لم يكن سوى مؤامرة أُديرت من وراء الستار. وليس من الصعب تفهم هذه الرواية. فالمرأة فقدت زوجها، وفقدت عالمًا كاملًا كانت تنتمي إليه. ومن الطبيعي أن ترى التاريخ بعين المأساة. لكن المؤرخ لا يستطيع أن يكتفي بالتعاطف، لأن التعاطف شيء، وإنتاج المعرفة شيء آخر.
إن أول درس يقدمه التفكير النقدي هو أن الشهادة الشخصية ليست الحقيقة الكاملة، مهما بلغت مكانة صاحبها. فهي تكشف كيف رأى الإنسان الحدث، لكنها لا تكشف بالضرورة كيف وقع الحدث بكل أبعاده. فالذاكرة تنتقي، والعاطفة تعيد ترتيب الوقائع، والزمن يضيف إلى الأحداث معاني لم تكن موجودة لحظة وقوعها. من هنا لا ينبغي التعامل مع شهادة نعيمة العسكري بوصفها وثيقة إدانة نهائية، ولا بوصفها مجرد رواية عائلية يمكن إهمالها، بل بوصفها قطعة مهمة من فسيفساء الذاكرة العراقية، تحتاج إلى أن توضع بجانب عشرات الشهادات والوثائق الأخرى، لا فوقها. بعد ذلك يبرز السؤال الذي شطر العراقيين إلى معسكرين: هل كان الرابع عشر من تموز انقلابًا؟ إذا أردنا الإجابة بلغة القانون العسكري، فالجواب نعم. فالسلطة انتقلت بقوة السلاح، ونفذ العملية ضباط الجيش. لكن إذا انتقلنا إلى علم الاجتماع السياسي، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالحدث لم يقتصر على استبدال حكومة بأخرى، بل أطاح النظام الملكي، وأعلن الجمهورية، وغيّر بنية الدولة، وأعاد توزيع الأراضي، وأدخل إصلاحات اجتماعية وسياسية عميقة. وهذه كلها سمات ترتبط بالثورات أكثر مما ترتبط بالانقلابات التقليدية.
لذلك فإن الإصرار على أحد الوصفين فقط يبدو أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى التحليل التاريخي. فالحدث كان انقلابًا من حيث وسيلته، لكنه أطلق عملية تغيير اجتماعي جعلته يحمل كثيرًا من خصائص الثورة. والتاريخ مليء بأحداث يصعب احتجازها داخل تعريف واحد. لكن القضية الأهم ليست هنا. القضية أن العراقيين اعتادوا قراءة تاريخهم كما لو أنه محكمة، لا مختبر. كل فريق يبحث عن أدلة لإدانة خصمه، لا عن وسائل لفهم ما جرى. ولهذا تتحول الوثيقة إلى سلاح، والشهادة إلى بيان سياسي، والصورة إلى وسيلة تعبئة، بينما يختفي السؤال العلمي: هل تكفي هذه الأدلة لإثبات ما نريد إثباته؟ النص الذي بين أيدينا يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فهو يربط بين البرقيات السرية، والشيفرات، واستدعاء نوري السعيد والوصي عبد الإله، ثم يقفز مباشرة إلى نتيجة تقول إن بريطانيا كانت تدير الانقلاب. قد يكون هذا الاحتمال واردًا، وقد تكون بعض عناصره صحيحة، لكن المنهج التاريخي يرفض القفز من القرينة إلى اليقين. فالبرقية ليست دليلًا على التخطيط، كما أن وجود مصالح بريطانية في العراق لا يعني تلقائيًا أنها صنعت كل ما جرى. فالدول الكبرى تتدخل حيث تجد بيئة داخلية قابلة للاختراق، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة التاريخ إذا كانت المؤسسات متماسكة والمجتمع مستقرًا.
ولو كان النظام الملكي يتمتع بإجماع وطني واسع، لما تمكن بضعة ضباط من إسقاطه خلال ساعات. ولو لم تكن هناك أزمة سياسية واجتماعية حقيقية، لما خرجت قطاعات واسعة تؤيد النظام الجديد في أيامه الأولى. وهذا لا ينفي لاحقًا ما ارتكبته السلطة الجديدة من أخطاء جسيمة، ولا يبرر المجازر التي رافقت سقوط الملكية، لكنه يضع الأمور في سياقها الطبيعي. وهنا تكمن المشكلة الكبرى في الذاكرة العراقية. فنحن لا نزال نقرأ الماضي بعقل المنتصر أو المهزوم، لا بعقل الباحث. أنصار الملكية يرون في الرابع عشر من تموز بداية الخراب، وأنصار الجمهورية يرونه يوم الخلاص الوطني. والحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا من الروايتين معًا. لقد امتلك العهد الملكي إنجازات لا يمكن إنكارها. فقد بنى مؤسسات الدولة، وأسهم في تطوير التعليم والإدارة والاقتصاد، وأطلق مجلس الإعمار مشاريع استراتيجية ما زالت آثار بعضها قائمة حتى اليوم. لكنه في المقابل أخفق في معالجة التفاوت الاجتماعي، وفشل في استيعاب التحولات السياسية التي اجتاحت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، وترك فجوة تتسع بين السلطة والمجتمع. كما أن الجمهورية الأولى حملت مشروعًا وطنيًا واعدًا، لكنها دشنت، من حيث لم تُرد ربما، تقليدًا خطيرًا تمثل في جعل المؤسسة العسكرية بوابة الوصول إلى السلطة. ومنذ تلك اللحظة دخل العراق في سلسلة طويلة من الانقلابات والصراعات، حتى أصبح تداول السلطة يتم عبر الدبابة أكثر مما يتم عبر السياسة. ولهذا فإن اختزال الرابع عشر من تموز في كونه خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا لا يساعد على فهم التاريخ، بل يكرس الانقسام حوله.
إن الأمم الناضجة لا تبحث في الماضي عن أبطال وشياطين، بل عن أسباب النجاح والفشل. وهي لا تحاكم أسلافها بعواطفها، وإنما تحاكم أفكارهم وسياساتهم ونتائج أفعالهم. وربما آن الأوان لأن يتحرر العراقيون من أسر السؤال التقليدي: ثورة أم انقلاب؟ فالأكثر أهمية أن نسأل: لماذا وصل العراق أصلًا إلى لحظة أصبح فيها إسقاط نظام حكم كامل ممكنًا خلال ساعات؟ ولماذا تحولت السياسة إلى عنف؟ ولماذا أخفقت النخب جميعها، الملكية والجمهورية على السواء، في بناء تقاليد دستورية مستقرة؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع معرفة، أما الجدل اللفظي حول التسمية فلن يغير الماضي، ولن يبني المستقبل. لقد علمتنا التجارب أن التاريخ لا يكتب بالشعارات، ولا بالحنين، ولا بالرغبة في الانتقام من الماضي. إنه يكتب بالأدلة، وبالمقارنة بين المصادر، وبالقدرة على الاعتراف بأن كل رواية، مهما بدت مقنعة، تحمل جزءًا من الحقيقة فقط. ولعل أكبر درس يقدمه الرابع عشر من تموز اليوم هو أن الحقيقة التاريخية لا تسكن ذاكرة المنتصر ولا ذاكرة المهزوم وحدهما، بل تولد في المسافة النقدية الفاصلة بينهما. ومن يملك الشجاعة لعبور تلك المسافة، يقترب من فهم العراق أكثر مما تفعله آلاف الشعارات التي ما زالت، حتى اليوم، تخوض معركة انتهت سياسيًا منذ عقود، لكنها لم تنتهِ بعد في الوعي العراقي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما وراء الخبر - دبلوماسي أوكراني سابق يكشف أسباب -فشل وساطة


.. جزيرة خارك.. بوابة النفط الإيراني التي هدد ترمب بالسيطرة علي




.. الحرس الثوري يستهدف سفنا أمريكية رغم تحذيرات واشنطن


.. الحرس الثوري: على السفن تجنب العبور من الممرات غير المسموح ب




.. غارات وتدمير جنوبي لبنان وحزب الله يطالب بإنهاء المفاوضات