الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر
منير السباح
2026 / 7 / 13المجتمع المدني
في عالم تتقاطع فيه الرغبات وتتصارع فيه الإرادات، يبرز "الرأي" كمرآة تعكس وعي المرء أو انفعاله. غير أن هناك فجوة واسعة بين رأي ينطلق من انفعال عاطفي أو عصبي لحظي، وبين رأي حر رصين. إن الرأي الانفعالي ليس أكثر من فعل منعكس، يهدف في الغالب إلى تنفيس كبت النفس وتفريغ شحنتها الإنسانية المؤقتة؛ لذا فهو يفتقر إلى كامل الإحاطة، ويركز على زاوية ضيقة يحددها الألم اللحظي أو الفرح العابر. أما الرأي الحر، فهو ذلك الذي يصدر عن وعي وإدراك وإحاطة، وتجارب وخبرات عميقة تتعدى حدود المشاعر الآنية، متمسكاً بالقاعدة الأخلاقية الذهبية: إن لم ينفع.. لا يضر.ويتجلى هذا التباين بوضوح في الأوقات العصيبة؛ فلا شك أن ما يمر به شعبنا الغزي من آلام ممتدة، وجراح عميقة، وأحزان ودمار، قد جعل البنية النفسية والمجتمعية في حالة اضطراب انعكست مباشرة على طبيعة الآراء وسلاستها. لقد أنتجت هذه الصدمات الفادحة سيولاً من المواقف المتقلبة، فهناك رأي يائس، ورأي منفلت لا ينظر إلى العواقب، ورأي متردد أو متشائم، ورأي جريح يلوم ويحقد، يقابله رأي متفائل يمثل الفئة القليلة. هذا الاضطراب النفسي أفرز سيولة خطيرة في الاتهامات، وغياباً للثقة، ولجوءاً للشتيمة والطعن والتخوين والابتزاز العاطفي. وأخطر ما في هذه الحالة، هو تلك النرجسية الفكرية، حيث يعتقد كل طرف أنه وحده من يملك الصواب المطلق، وأن كل من يخالفه إما ناقص وعي أو مدفوع بالمصلحة. إن صاحب هذا الرأي المأزوم لا يشاهد إلا نفسه؛ ينظر في مرآة ذاته فتقول له: "أنت الوحيد الذي على حق والباقي على باطل". ويزداد الأمر وهماً حين يلتف حوله بعض الحاضرين المصفقين، ليدخل في خدعة كبرى يغذيها سجن الخوارزميات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تعزله في فقاعة تعرض له ما يحب أن يرى ويسمع فقط، فتتضخم نفسه وتتصلب أحكامه السياسية والمجتمعية.وأمام هذا التصحّر الفكري، تبرز قيمة التواضع الإنساني والاعتراف بالخطأ، فالإنسان ليس كاملاً، ويخطئ في التصور والفهم كما يخطئ سائر البشر. إن القناعة الراسخة بأن رأينا قد يحتمل الصواب والخطأ، أو المناصفة بينهما، هي أولى خطوات النضج، فكل منا ينظر إلى القضايا من زاوية مختلفة يحددها حجم الألم، والصعوبات، والمستوى العلمي، والفئة العمرية، والتخصص، والثقافة. علاوة على ذلك، فإن حجم الاطلاع يختلف من شخص لآخر؛ بل إن هناك أوقاتاً يفرض فيها الوعي الأخلاقي والإنساني والأمني التحفظ على بعض المعلومات وعدم الإفصاح الكامل عنها، مما يجعل الرؤية تبدو مختلفة لمن ينظر إليها من الخارج.إن إنتاج الرأي لا يخلو من تحديات، فالقرب أو البعد من قضية ما، أو الانتماء لفئة أو حزب، يوقع المرء شاء أم أبى في فخ التحيز اللاإرادي. هنا تكمن المعركة الحقيقية؛ قدرة الإنسان على إدارة نفسه وضبط بوصلته وسط هذا الواقع الملوث والمضطرب، للمحافظة على رأي يفيد الناس دون أن يجرح مشاعرها، ودون تركها تنجر وراء وهم الرأي السائد العاطفي. وإذا تركنا أنفسنا لهذا الوهم، فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة، نكرر أنفسنا، ونعيد صياغة ذواتنا المأزومة، ونطبع مع حالة الزيف التي استشرت فينا. لذا، لا بد أن نفهم أن النقد الذاتي –وإن بدا لك أنه يخالفك أو يتساوق مع غير رأيك– هو طوق النجاة. لا تخشَ النقد؛ فهو الذي يصدمك ويخرجك من حيز غفلتك وتيهك. استرجع خبراتك السابقة وكبواتك: كم مرة بنيت أحلاماً على أوهام ثم خذلتك، لأنك تفكر بذات العقلية النمطية؟لا تخف ممن يقول لك شيئاً يختلف عما تراه؛ فلا يجب أن يتطابق الناس جميعاً، ولو تطابقوا لتوقفت عجلة الإنتاج ولتجمدت حركة الحياة. المعارضة الفكرية الواعية هي شكل من أشكال التصحيح, ولكنها تحتاج منا إلى وقوف جاد مع النفس، وتدقيق في التفاصيل، واستخدام وسائل أدبية جريئة لإجراء التغيير الحقيقي. وفي حالتنا الفلسطينية، صار الأمر معقداً وصعباً للغاية، خصوصاً بعد أهوال حرب غزة، ولكنه ليس مستحيلاً. إن الرأي الحر مسؤولية وأمانة؛ فإذا لم تتوفر للمرء الإحاطة الكافية، والقدرة على التجرد من الانحيازات الذاتية، فإن التريث يصبح فضيلة. إن لم يسعفنا الوعي لنقدم رأياً يبني، ويشفي، وينفع الناس؛ فإن أضعف الإيمان الأخلاقي أن نكفّ الأذى عن مجتمع أثقلته الجراح، ليبقى شعارنا الدائم والأسمى: الرأي الحر.. إن لم ينفع لا يضر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس
.. شاهد على العصر - صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س
.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا
.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين