الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح الردع إلى المصيدة وتغير المعادلة لطهران.

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 7 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


لم تكن الضربات العسكرية والانفجارات العنيفة التي هزت أنحاء واسعة من إيران مؤخراً مجرد رد فعل تقليدي على استهداف سفن تجارية أو محاولة لإغلاق مضيق هرمز. إنما وبكل وضوح هو تطبيق عملي دولي تجاه إيران لهندسة إقليمية جديدة في المنطقة صِيغت ملامحها خلف كواليس القرار الدولي.
توجيهات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشن جولة ثالثة من الضربات، تزامناً مع تصريح وزير الدفاع الأمريكي بأن (طهران تدفع اليوم ثمن خياراتها السيئة) تكشف عن تحول جوهري في الاستراتيجية الأمريكية، حيث انتقلت واشنطن وحلفاؤها من مرحلة (الاحتواء والردع المعزز) إلى مرحلة (التفكيك الجذري لأوراق القوة الإيرانية).
ولقراءة هذا المشهد المتسارع بوضوح استراتيجي، لا بد من تفكيكه عبر خمسة محاور أساسية:

1/جغرافيا الضربات وشل الأطراف الحيوية:
التركيز العملياتي العسكري الأمريكي منصب بالكامل على الشريط الساحلي الجنوبي لإيران، ممتداً من (بندر عباس، بوشهر، جزيرة قشم، عسلوية، وتشاد بهار) وصولاً إلى خوزستان. هذا الاستهداف الممنهج لا يسعى لإحداث دمار عشوائي، بل يهدف إلى تحقيق غاية استراتيجية محددة وهي (شل قدرات الحرس الثوري بالكامل المسيطرة على مضيق هرمز وتدمير شبكات إمداده اللوجيستية وسككه الحديدية الممتدة نحو باكستان وتركمانستان). هذه الجغرافيا العسكرية تثبت عملياً أن لجوء النظام الإيراني لورقة تهديد الملاحة الدولية في هرمز قد تحول من (عنصر ضغط) إلى (فخ ومصيدة استراتيجية) لتحكم القوى الدولية إغلاقه عليها.

2/قمة الناتو في تركيا ونهاية الرهان الإقليمي:
جاءت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة في تركيا لتضع الروتوش الأخيرة على سلسلة تفاهمات كبرى جرت خلف الكواليس الدولية وبدأت من ألاسكا ولندن ومرت بلقاءات ترمب مع موسكو وبكين، وصيغت خطوطها العريضة في قمة مجموعة الدول السبع (G7).
كانت النتيجة الحاسمة لهذه اللقاءات هي إنهاء الخلافات البينية داخل الناتو والاتفاق الإجماعي على معالجة الملف الإيراني معالجة جذرية. لقد ركّز التشخيص الدولي على (الحرس الثوري) بقيادة أحمد وحيدي باعتباره العقبة الأساسية أمام أي استقرار إقليمي، مع استثمار الصراع الداخلي الصامت والتاريخي بين الحرس وجهاز المخابرات (اطلاعات) البراغماتي.
إن التوجه الدولي اليوم لا يستهدف تقويض الدولة الإيرانية ككيان، بل يسير نحو تفكيك الحرس لإنهاء صيغة (ولاية الفقيه سياسياً) تمهيداً لولادة نظام إيراني جديد (على غرار النموذج الفنزويلي الحالي) نظام يحافظ على وحدة إيران الجغرافية لكنه ينفتح على الاقتصاد الغربي ويخرج تماماً من العباءة الجيوسياسية لروسيا والصين، مما يعني تلقائياً إضعاف (المحور الشرقي) في صراعه العالمي مع الغرب.

3/الترتيبات الإقليمية القادمة وملامح ما بعد سايكس بيكو:
يتزامن هذا التحرك العسكري الخشن مع حراك سياسي ودبلوماسي عالي المستوى في واشنطن. الزيارات المتزامنة والمرتقبة لرئيس الوزراء العراقي (علي الزيدي والرئيس اللبناني جوزاف عون) يليهما رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) إلى جانب الترتيب لقمة خليجية موسعة بحضور (تركي وسوري) كلها مؤشرات على رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد. هذا الحراك يهدف لوضع اللمسات الأخيرة لإنهاء النفوذ العسكري والسياسي للحرس الثوري في العراق ولبنان واليمن إلى الأبد، وبناء البديل الاستراتيجي لمنطقة تُعاد صياغتها للمرة الأولى منذ اتفاقية سايكس بيكو.

4/فخ هرمز وسوء التقدير ووهم القوة الرادعة:
تكمن المشكلة المزمنة لصناع القرار في طهران في سقوطهم التاريخي في فخ البروباغندا الإعلامية، والاعتماد على قراءات مراكز الأبحاث الغربية المعارضة لإدارة ترمب (مثل مقالات الواقعيين كميرشايمر وروبرت بيب). هذه التحليلات أوهمت النظام في طهران بأنه حقق نصراً استراتيجياً ناجزاً، وأن مضيق هرمز يمثل سلاحه النووي غير المعلن والرادع لأي تحرك غربي.
لابد من الإشارة إلى إن تاريخ الجمهورية الإسلامية مليء بالحسابات الخاطئة ففي كل مرة ينجو فيها النظام من أزمة عابرة، يتوهم أن نهجه الراديكالي كان صحيحاً، متجاهلاً الفارق الجوهري والخطير بين القدرة على (تحمل الكلفة الاقتصادية والبشرية الباهظة) وبين (تحقيق النصر الاستراتيجي المستدام) ، واليوم يبدو أن الكلفة قد تجاوزت قدرة النظام على التحمل، وأن وهم سلاح مضيق هرمز) قد يتبخر أمام إصرار دولي على صياغة شرق أوسط جديد.

5/أين يقف العراق والمنطقة؟
في المحصلة، إن صياغة شرق أوسط جديد يخلوا من أذرع الحرس الثوري وحروب الوكالة ليست مجرد رغبة غربية لضمان أمن الطاقة العالمي، بل هي مصلحة وجودية لدول المنطقة وفي مقدمتها العراق. حيث إن التحرر من سياسة المحاور والتهديد المستمر للممرات المائية يفتح الباب على مصراعيه لولادة استقرار حقيقي مبني على التنمية الاقتصادية الشاملة والمواطنة، بدلاً من الهويات الفرعية والصراعات بالوكالة. الكرة الآن في ملعب القوى الوطنية الإقليمية لاستثمار هذا التحول الدولي التاريخي، وإعادة بناء بلدانها في خارطة العالم الجديد قبل أن تُفرض المعادلات من الخارج.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زلزال قوي يضرب سواحل إندونيسيا.. هزات ارتدادية وتحذير من تسو


.. هل تراهن طهران على بقاء النظام مهما كانت كلفة الحرب وتصاعد ا




.. مستشارة شؤون الأمن القومي بمعهد كوينسي: ترمب يقول إن هرمز فت


.. ترمب يصعد ضد إيران.. مضيق هرمز يعقد المفاوضات والبيت الأبيض




.. ترمب: الحصار البحري ضد إيران عبارة عن جدار من الفولاذ