الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المواطنة قبل الانتماءات الضيقة
صفاء العطية التميمي
2026 / 7 / 15مواضيع وابحاث سياسية
ضمن سلسلة: أمارجي.. أولوية الدولة قبل السلطة
في ختام مقالنا التاسع، توقفنا عند معادلة بنيوية حاسمة:الإدارة الناجحة تنتج عدالة، والعدالة تنتج الاستقرار. ولكن، يقفز هنا سؤال جوهري يفرض نفسه على مسار سلسلتنا الفكرية كيف يتحول هذا الاستقرار من مجرد حالة ساكنة (تتمثل في غياب الصراع المؤقت) إلى طاقة حركية قادرة على بناء المستقبل وتماسك المجتمع؟
الجواب يكمن في الهوية التي تجمع هذا الشتات؛ إنه الانتقال الحتمي والضروري من ضيق الهويات الفرعية إلى رحابة المواطنة الحقيقية
الهويات الفرعية كملجأ اضطراري
في بيئات الدول الهشة، لا يلتجئ الأفراد إلى الانتماءات الضيقة (سواء كانت عشائرية، طائفية، مذهبية، أو حزبية مغلقة) حباً في التقوقع أو رغبة في التمرد على فكرة الدولة. الحقيقة أن هذا الارتداد هو آلية دفاع غريزية"
يلجأ إليها الإنسان عندما تعجز المؤسسات الرسمية عن أداء وظائفها الأساسية.
عندما يغيب القانون العادل، وتتحول الخدمات العامة إلى مكرمات، ويصبح التعيين خاضعاً للمحاصصة؛ يدرك الفرد تلقائياً أن هويته الوطنية لا تكفي لحمايته أو تأمين مستقبله. هنا، تتقدم الهوية الفرعية لملء الفراغ، وتتحول العشيرة أو الطائفة أو الحزب إلى "المؤسسة البديلة" التي تمنح الفرد الأمان والوظيفة والجاه، مقابل التنازل عن ولائه للدولة.
منطق السلطة المشوه مقابل منطق الدولة الرصينة
هنا تبرز الفجوة العميقة بين سلطة تبحث عن البقاء، ودولة تسعى إلى الاستقرار:
منطق السلطة الضيقة. يرى في الانقسام الاجتماعي مادة دسمة للاستمرار. فالأحزاب التي تجعل من السلطة غايتها الأولى تحتاج دائماً إلى شحن الهويات الفرعية، وإحياء الهواجس والمخاوف المتبادلة بين المكونات. إنها الطريقة الأسهل لضمان التفاف الجماهير حول "الزعيم الفرعي" باعتباره الحامي الافتراضي للمكون ضد المكونات الأخرى. في هذا النموذج، تُقسّم الدولة كغنيمة، وتضيع حقوق الفرد بوصفه "مواطناً" لتستبدل بحصة المكون الذي ينتمي إل
منطق "أمارجي" (الدولة أولاً) يرى أن قوة الدولة تبدأ من تفكيك هذه الوساطات بين الفرد والمؤسسة. الدولة الرصينة لا تطلب من المواطن التخلي عن خصوصيته الثقافية، أو إرثه الاجتماعي، أو معتقداته؛ بل تمنع بالكامل تحويل هذه الخصوصيات إلى معايير سياسية أو أدوات لتقاسم النفوذ. إنها تبني علاقة قانونية مباشرة وفردية مع الإنسان:
انت مواطن، إذن أنت متساوٍ بالحقوق والواجبات.
إن الدولة التي تعامل شعبها كمجموعات طائفية أو عشائرية لن تبني وطناً، بل ستدير نزاعاً مؤجلاً. أما الدولة الرصينة، فهي التي تحول التنوع الاجتماعي من لغم موقوت إلى مصدر ثراء وقوة، تحت مظلة قانونية واحدة."
كيف نترجم المواطنة إلى سلوك مؤسساتي؟
إن الانتقال إلى فضاء المواطنة لا يتحقق بالشعارات الرنانة أو المقالات الإنشائية، بل يتطلب خطوات عملية وجريئة على أرض الواقع:
1. **المساواة القانونية المطلقة:** إنهاء أي صيغة للتمييز أو المحاصصة في إدارة مؤسسات الدولة.
2. **تكافؤ الفرص (الكفاءة أولاً):** عندما يشعر الشاب الخريج أو الكفاءة الوطنية أن مجهوده العلمي والعملي هو تذكرته الوحيدة للترقي الوظيفي (وليس التزكية الحزبية أو القرابة العشائرية)، سيتخلى تلقائياً عن قنوات الولاء الضيقة ليرتبط بوطنه مباشرة.
3. **تفكيك شبكات الزبائنية:** تحويل الخدمات العامة (الصحة، التعليم، الرعاية الاجتماعية) من "أعطيات" توزعها قوى السلطة لكسب الولاءات الانتخابية، إلى حقوق أصيلة ومتاحة للجميع دون قيد أو شرط.
التمهيد للمقال القادم:
إن إعلاء قيمة **المواطنة** وتفكيك شبكات النفوذ الفرعي ليس بالأمر السهل، ولن يقف قادة السلطة والمنتفعون من الانقسام مكتوفي الأيدي أمامه.
ولكي لا تبقى المواطنة مجرد حبر على ورق دستوري، ولكي نضمن حماية هذا العقد الاجتماعي من التغول السياسي والاجتماعي، فإننا نحتاج إلى حارس ميزانه لا يميل، وسيفه لا ينحني أمام سطوة النفوذ والمال. هذا الحارس هو ما سنناقشه بالتفصيل في محطتنا القادمة: **"المقال الحادي عشر: استقلال القضاء ضمان الدولة"**.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من الحضور العسكري إلى القوة الناعمة.. كيف تعيد روسيا بناء نف
.. ما سر تكرار الزلازل في أمريكا الجنوبية؟
.. مديرية إعلام الحسكة: مجموعات خارجة عن القانون اعتدت على مقرا
.. خارج الصندوق | ترمب يغير الاستراتيجية مع إيران: الحصار الخان
.. خارج الصندوق | الجاسر: اتفاقية مكة رسالة ردع مهمة.. وستعيد ت