الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل والدولة الحديثة في العراق.
مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Muhannad Al Madani)
2026 / 7 / 15
مواضيع وابحاث سياسية
يعيش العراق منذ عقود في دوامة من الأزمات المركبة التي لم تعد الحلول الترقيعية أو المهدئات السياسية قادرة على احتوائها. إن طبيعة المعضلة العراقية ليست قطاعية مجزأة، بل هي أزمة بنيوية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والاجتماع بالدين، والداخل بالخارج.
ومن هنا، فإن أي مشروع حقيقي للإصلاح لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من رؤية شمولية وعضوية تعيد صياغة العقد الاجتماعي العراقي وتضع قطار الدولة على سكة القانون والعدالة.
تتأسس القراءة لهذه الخارطة البنيوية على سبعة مرتكزات إستراتيجية متداخلة، يمثل كل منها حلقة في للإصلاح الذي يحتاجه العراق وللعبور نحو الاستقرار وبناء الدولة الحديثة.
1/فرض القانون واستعادة هيبة الدولة (العدالة من القمة):-
إن المدخل الإجباري لأي إصلاح حقيقي يبدأ من فرض القانون وتطبيقه بعدالة مطلقة، على أن تبدأ هذه العدالة من هرم السلطة نزولاً إلى القاع.
أ- إنهاء الحصانة السياسية: لا يمكن للمواطن أن يثق بالدولة بينما يرى المسؤول فوق المساءلة. إن إخضاع (المسؤول أولاً) لسلطة القانون يكسر جدار الحصانة التي وفرتها المحاصصة السياسية طوال السنوات الماضية.
ب- استقلال القضاء: يتطلب ذلك تحصين القضاء العراقي من الضغوط السياسية والتهديدات الأمنية، وتوفير الدعم المالي والإداري الذي يضمن حياده الكامل وشجاعته في اتخاذ القرار.
2/تفكيك منظومة الفساد الإداري والمالي:-
لم يعد الفساد في العراق مجرد سلوكيات فردية منحرفة، بل تحول إلى (منظومة مُمأسسة) تلتهم مقدرات البلد وتعرقل أي فرصة للتنمية. ومواجهة هذا الغول تتطلب:
أ- الأتمتة والتحول الرقمي: إنهاء البيروقراطية الورقية في الدوائر الخدمية والاقتصادية (كالجمارك والضرائب والعقود الحكومية) لتقليل الاحتكاك البشري الذي يغذي الرشوة والمحسوبية.
ب- تفعيل الرقابة: دعم الأجهزة الرقابية مثل (ديوان الرقابة المالية) و(هيئة النزاهة) وإلزام كافة المؤسسات بنشر حساباتها الختامية والتعاقدية أمام الرأي العام.
3/ترشيد وتنظيم العمل الحزبي في العراق:-
الأحزاب هي عصب النظام الديمقراطي، لكن غياب التنظيم يحولها إلى دكاكين سياسية وإقطاعيات للنفوذ ، بينما الإصلاح يتطلب تفعيلاً حازماً لقانون الأحزاب كالتالي:
أ- فصل السلاح عن السياسة: منع أي حزب يمتلك جناحاً مسلحاً أو ارتباطاً بجهة عسكرية من المشاركة في الحياة السياسية.
ب- شفافية التمويل: إخضاع الحسابات المالية للأحزاب لرقابة الدولة لمعرفة مصادر تمويلها، ومنع المال السياسي الفاسد أو التمويل الخارجي من توجيه القرار الوطني.
4/إعادة بناء البنية الاجتماعية (من الطائفة إلى المواطنة):-
تعرضت البنية الاجتماعية العراقية لتصدعات عميقة أضعفت الهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية (الطائفية الدينية والمذهبية ، العصبية العشائرية ، والمناطقية والحزبية). وإعادة البناء تتطلب جراحة دقيقة على مستويات متعددة:
أ- سياسياً واجتماعياً: صياغة خطاب وطني جامع يكرس مفهوم (المواطنة) كمعيار وحيد للحقوق والواجبات، بعيداً عن منطق المكونات.
ب- اقتصادياً ودينياً: تحرير المواطن من التبعية الاقتصادية للدولة (التي تستغل سياسياً في الانتخابات) عبر تنشيط القطاع الخاص، ودعم الخطاب الديني المعتدل الذي يركز على قيم التعايش السلمي وبناء المجتمع بالشكل الصحيح وتنمية الإنسان بدل الانكفاء على صراعات التاريخ.
5/تلبية حقوق المواطنة الكاملة:-
المواطنة ليست مفهوماً نظرياً، إنما هي ممارسة عملية قوامها الحقوق والخدمات وتكافؤ الفرص ، فالخدمات هي حقوق دستورية وإن توفير المياه الصالحة للشرب، والكهرباء المستقرة، والتعليم الحديث، والرعاية الصحية اللائقة هو الواجب الأول للدولة تجاه مواطنيها.
وتكافؤ الفرص من حيث القضاء على (الواسطة والمحسوبية) في تسلم المناصب والتعيينات والوظائف العامة، واعتماد الكفاءة والنزاهة فقط كمعيارين وحيدين للارتقاء المهني.
6/سد الثغرات الدستورية:-
كُتب الدستور العراقي لعام 2005 في ظروف استثنائية مشحونة بالهواجس والمخاوف، مما أنتج نصوصاً حمالة أوجه وثغرات قانونية فسرها الساسة وفق مصالحهم الفئوية.
فالدستور العراقي بحاجة إلى حسم المواد الخلافية ووضع تفسيرات واضحة ومحكمة للمواد الجدلية مثل: (مادة الكتلة النيابية الأكثر عدداً) وصلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. وبحاجة إلى مرونة هذا التعديل لتيسير لتواكب القوانين حركة التطور الاجتماعي والاقتصادي السريعة في البلاد.
7/ضبط العلاقات الخارجية (السيادة المتوازنة):-
لا يمكن بناء استقرار داخلي في بلد تشهد سماؤه وأرضه تصفية حسابات إقليمية ودولية. إن حماية السيادة العراقية تتطلب:
أ- توازن المصالح: صياغة سياسة خارجية تقوم على مبدأ (العراق أولاً) والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بناءً على المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة، ورفض سياسة المحاور.
ب- حصر السلاح والقرار: أن تكون الدولة ومؤسساتها الرسمية هي صاحبة الحق الحصري والوحيد في تحريك السلاح وإعلان الحرب والسلم والتفاوض باسم الشعب العراقي.
خاتمة:
إن هذه المحاور السبعة لا تعمل بشكل منفصل، بل هي تروس في ماكنة واحدة فبدون فرض القانون لا يمكن مكافحة الفساد، وبدون تنظيم الأحزاب لا يمكن تعديل الدستور، وبدون تلبية حقوق المواطن لا يمكن إعادة بناء الثقة بالدولة.
وعليهِ إن الإصلاح في العراق ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شيئاً واحداً يتفوق على كل الخطط والنظريات: (إرادة سياسية شجاعة ونخبة وطنية تؤمن بأن قوة العراق تكمن في دولة المؤسسات والقانون، وليس في سلطة المكونات والمحاصصة). وبدون هذه الإرادة ستبقى كل محاولات الإصلاح مجرد شعارات على ورق، بينما يستحق الشعب العراقي واقعاً أفضل يليق تضحياته وتاريخه العريق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أمام اتهامات الدول.. كيف تتصرف غرف الأخبار؟ • فرانس 24
.. إسرائيل تفجّر -بنى تحتية- لحزب الله في تلة علي الطاهر بجنوب
.. اعتداءات 11 سبتمبر: عمدة نيويورك ينشر وثائق أخفتها السلطات ع
.. الجزائر.. نحو تفعيل عقوبة الإعدام؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. مجلس الدفاع الوطني اليمني: قادرون على استعادة المبادرة العسك