الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل يقود ترامب إعادة هندسة الأمن في سوريا ولبنان؟
أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
2026 / 7 / 16
مواضيع وابحاث سياسية
في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى دائمًا بإعلان واضح أو اتفاق معلن. أحيانًا تبدأ بإعادة انتشار عسكري، أو سفينة ترسو في ميناء، أو تصريح سياسي يفتح بابًا لتسويات جديدة. لذلك فإن التقارير التي تحدثت عن ضغوط أمريكية على إسرائيل لإعادة النظر في وجودها العسكري داخل سوريا ولبنان لا يمكن قراءتها كحدث منفصل، بل ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة ترتيب الأدوار والنفوذ في المنطقة.
فالولايات المتحدة لا تدير ملفات الشرق الأوسط بمنطق ردود الفعل فقط، بل وفق حسابات المصالح والكلفة السياسية والعسكرية. وعندما تضغط واشنطن على حليفها الأقرب لتعديل تحركاته الميدانية، فإن ذلك قد يكون جزءًا من رؤية أوسع تتجاوز حدود سوريا أو لبنان، وتتعلق بمستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة.
● من تقليل التورط إلى إدارة التوازنات
القراءة الأولى لتحركات إدارة ترامب تنطلق من مبدأ تقليل احتمالات الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تفرض على الولايات المتحدة عودة أكبر إلى التدخل العسكري المباشر. وهذا ينسجم مع توجه سياسي يركز على خفض الأعباء الخارجية، وإعادة توجيه الاهتمام نحو ملفات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين.
لكن هناك قراءة ثانية أكثر ارتباطًا بالواقع الإقليمي. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن واشنطن قد تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الصراعات المفتوحة إلى مرحلة إدارة التوازنات، عبر توزيع أدوار أمنية جديدة بين القوى الإقليمية، مع الإبقاء على النفوذ الأمريكي كعامل ضامن للتسويات.
● تركيا ودور أمني متزايد في سوريا
في هذا السياق، يكتسب وصول سفن حربية تركية إلى ميناء اللاذقية أهمية خاصة. فالخطوة، التي أُعلن أنها تأتي في إطار تعزيز التعاون بين تركيا وسوريا، لا يمكن اختزالها بزيارة بروتوكولية فقط، بل قد تعكس تصاعد الدور التركي في الملف الأمني السوري.
إذا تطور هذا الدور ضمن تفاهمات إقليمية ودولية، فقد يصبح أحد العوامل التي تعيد صياغة المعادلة الأمنية في سوريا. فوجود ترتيبات أمنية جديدة على الأرض قد يقلل من المبررات التي تقدمها إسرائيل للإبقاء على انتشار عسكري داخل الأراضي السورية، خصوصًا إذا ترافقت مع ضمانات تمنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع جديدة.
لكن من الضروري التمييز بين المؤشرات والتحولات المؤكدة. فحتى الآن لا يوجد إعلان إسرائيلي رسمي عن انسحاب شامل من سوريا، كما أن أي تغيير في الانتشار العسكري يحتاج إلى تفاهمات وضمانات تتجاوز التصريحات السياسية.
● لبنان واختبار حصر السلاح بيد الدولة
أما في لبنان، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فالمجتمع الدولي يضغط منذ سنوات باتجاه تعزيز دور الدولة اللبنانية، بحيث يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح وفرض الأمن، خصوصًا في الجنوب.
إذا قبل حزب الله بالاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة وحصر القرار العسكري بيد الجيش، فقد يصبح الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتنازع عليها أكثر قابلية للتنفيذ ضمن ترتيبات أمنية واضحة. أما إذا استمر رفض هذا المسار، فقد تتجه الضغوط نحو البحث عن صيغ أخرى، تشمل تعزيز دور الجيش اللبناني وتوسيع دور قوات الأمم المتحدة أو إنشاء آليات رقابة دولية جديدة.
وتظهر أحيانًا تحليلات تتحدث عن احتمال استعادة سوريا دورًا أمنيًا أو تنسيقيًا في بعض الملفات اللبنانية ضمن تفاهمات إقليمية. إلا أن هذا يبقى سيناريو سياسيًا محتملًا وليس اتفاقًا قائمًا، كما أن أي دور سوري مستقبلي في لبنان سيكون مختلفًا عن مرحلة ما قبل عام 2005 بسبب تغير الظروف الداخلية والإقليمية والدولية.
● إسرائيل بين الأمن والضغوط الأمريكية
من جانبها، لا تبدو إسرائيل مستعدة للانسحاب من مواقع تعتبرها جزءًا من منظومتها الأمنية دون مقابل واضح. فالوجود العسكري في بعض المناطق السورية واللبنانية يرتبط، من وجهة نظرها، بمنع تمدد إيران وحزب الله قرب حدودها.
لذلك فإن أي إعادة انتشار إسرائيلي ستكون على الأرجح مرتبطة بضمانات أمنية، وانتشار قوات نظامية قادرة على ضبط المناطق الحدودية، وآليات تمنع عودة التهديدات التي تقول إسرائيل إنها تواجهها.
وهنا تكمن صعوبة أي تسوية: واشنطن تريد تقليل احتمالات التصعيد، بينما تريد إسرائيل الحفاظ على هامش أمني واسع، وتسعى الأطراف المحلية والإقليمية إلى حماية مصالحها داخل أي ترتيب جديد.
● مرحلة إعادة تعريف الأدوار
قد يختلف المراقبون حول طبيعة ما يجري، لكن من الصعب تجاهل تزامن مجموعة من التطورات: حديث أمريكي عن إعادة انتشار، حراك دبلوماسي متسارع، تعاون تركي–سوري آخذ في الاتساع، وضغوط لإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية في الجنوب.
من المبكر القول إن المنطقة أمام صفقة كبرى مكتملة، كما أنه من غير الدقيق تفسير كل خطوة باعتبارها انتصارًا لطرف أو هزيمة لآخر. لكن الواضح أن واشنطن تحاول إعادة ترتيب موازين القوى بأدوات مختلفة: تقليل الوجود العسكري المباشر، تحميل الحلفاء مسؤوليات أكبر، وبناء ترتيبات أمنية تحد من احتمالات الانفجار.
في السياسة، لا تكون التحولات الكبرى دائمًا معلنة. أحيانًا تبدأ بإعادة انتشار في موقع عسكري، أو سفينة ترسو في ميناء، أو تصريح دبلوماسي يبدو عابرًا. وحدها الأيام تكشف ما إذا كانت هذه الخطوات مجرد أوراق تفاوضية، أم أنها كانت بداية إعادة رسم للأدوار في سوريا ولبنان، وربما في توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لبنان بين حصر السلاح والتفاوض مع إسرائيل.. إلى أين تتجه الحك
.. حياة ذكية - آبل تستعير الذكاء الاصطناعي وأنثروبيك تحذر من مخ
.. 12 دولة أوروبية تطالب الاتحاد بدور استراتيجي أكبر في القطب ا
.. تحت ضغط بوتين.. هل تنجر بيلاروسيا إلى حرب أوكرانيا؟
.. نشرة إخبارية | نزوح أكثر من 100 ألف يمني جراء الحرب.. وإيران