الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 7 / 16
الادب والفن


يا هذا، إن الناس يظنون أن الحروب تنتهي إذا سكتت المدافع، وأحسب أنهم لم ينظروا إلى وجوه الذين عادوا منها، فإن الحرب إذا خرجت من الأرض دخلت في الإنسان، وإذا غادرت الخندق أقامت في القلب، وإذا انطفأت نارها في الميدان بقي رمادها في الذاكرة. ومن رام أن يعرف حقيقة الحرب، فلا يسأل الجنرالات عن خرائطهم، ولا المؤرخين عن تواريخهم، بل يسأل شاعراً عاد منها، أو رساماً حملها في ألوانه، فإن الشعر والرسم يرويان ما تعجز عنه البلاغات العسكرية، ويقولان ما تخفيه البيانات الرسمية. ومن هؤلاء ذياب مهدي آل غلام، النجفي الذي خرج من المدينة حاملاً نخيلها، وعاد إليها حاملاً أعماراً كاملة من الأسئلة. رجل اجتمعت فيه صنائع ثلاثة، فكان جندياً على غير رغبة، وفناناً على سجيته، وشاعراً على قدر ما في القلب من وجع. وما اجتمع هذا كله في إنسان إلا صار للذاكرة عنده سلطان، وللماضي في نفسه مجلس لا ينفض. ولقد رأيت أن الرجل كلما كتب حادثة من حياته، لم يكن يكتبها ليحدث الناس بما جرى، وإنما كان يستخرج من الواقعة معناها، ومن اللقاء دلالته، ومن الإنسان حكايته. ولذلك لا تقرأ له حادثة إلا وجدت خلفها زمناً كاملاً، ولا تقف عند شخص إلا وجدت وراءه مجتمعاً بأسره. يا هذا، ليس الفن أن ترسم الوجوه كما تراها العين، وإنما أن ترسم ما أخفته السنون عنها. وليس الشعر أن تصف الكلمات، وإنما أن ترد إلى الإنسان ما سلبته الأيام من صوته. ولذلك بقي الفنان الحق شاهداً، لا على الحوادث، بل على آثارها في الأرواح.
ومن أعجب ما ترويه الذاكرة أنها لا تحفظ الناس بحسب منازلهم، وإنما بحسب أثرهم. فقد ينسى المرء أسماء كثيرة، ولا ينسى ابتسامة رآها قبل أربعين عاماً، وقد تغيب المدن عن الخاطر، ويبقى زقاق صغير يسكن الوجدان. وكذلك كانت حكاية ذياب مع أنوير وريمة، فإنها ليست حكاية رجل التقى امرأة بعد طول غياب، وإنما حكاية زمنين وقفا وجهاً لوجه، ينظر أحدهما إلى الآخر في دهشة لا يملك لها تفسيراً. خرج الجندي في ثمانينيات القرن الماضي إلى حرب لم يخترها، شأن آلاف الشباب العراقيين الذين وجدوا أنفسهم بين بندقية لا يعرفون سببها، وخندق لا يعرفون نهايته. وهناك، في أقصى الجنوب، لم تكن البنادق وحدها تجمع الناس، بل كانت الحاجة إلى رفيق تخفف قسوة الأيام. ومن هذه الحاجة وُلدت صداقة مع أنوير، ذلك الشاب البسيط الذي لم يكن يحمل من الدنيا إلا قلباً صافياً، وحياءً يسبق كلماته. وكان الإنسان يومذاك يعرف الإنسان قبل أن يعرف اسمه. فالخندق يزيل الفوارق التي تصنعها المدن، والخوف يختصر المسافات بين الغرباء، والجوع يجعل الأرغفة أعدل من كثير من القوانين. وهناك تعلّم ذياب أن العراق ليس مدينة واحدة، ولا طبقة واحدة، ولا هيئة واحدة، بل وجوه كثيرة، إذا اجتمعت صارت وطناً.

ثم انقضت الأعوام، وانقلبت الدول، وتغيرت الحكومات، وتبدلت الشعارات، وظل الزمن يعمل عمله في البشر. وللزمن عادة لا يحيد عنها، فإنه لا يكتفي بتغيير الوجوه، بل يبدل معاني الأشياء أيضاً. فالدار التي كانت عامرة تصبح أطلالاً، والطريق الذي كان مزدحماً يصير موحشاً، والإنسان الذي كان يملأ المكان حضوراً يغدو يبحث عن موضع يقف فيه. ولذلك كان اللقاء في الديوانية سنة 2019 أشبه بمحاكمة صامتة للتاريخ. لم يكن السوق هو السوق الذي عرفه الناس، ولم يكن الناس هم الناس الذين خرجوا منه قبل عقود. كان الفقر قد سبق الجميع، وجلس على الأرصفة، وصار جزءاً من المشهد اليومي حتى ألفته العيون. هناك وقف ذياب، لا لأن امرأة طلبت صدقة، بل لأن الذاكرة سبقت البصر. رأى وجهاً يعرفه، لكن الزمن وضع بينه وبين ملامحه طبقات من التعب. وأخذ يسأل نفسه قبل أن يسألها، أهذه هي، أم أن الشبه يصنع أوهاماً؟ فإن الإنسان إذا اشتدت عليه المفاجأة، أنكر ما تراه عيناه حتى يصدقه قلبه. ولما نطق بالاسم، عاد أربعون عاماً في لحظة واحدة. ولم يكن الاسم مجرد حروف، بل كان باباً فتحته الذاكرة، فخرجت منه الأصوات والوجوه والضحكات، وعادت رائحة التراب في السواتر، وأصوات الجنود عند المغيب، وأحلام الشباب التي لم تبلغ أوانها. يا هذا، ما أقسى أن يتعرف الإنسان إلى الماضي، ثم يراه عاجزاً عن إنقاذ أصحابه.
وليس أشد على النفس من أن ترى الجمال وهو يصارع الفاقة. فإن الفقر لا يغير الملامح وحدها، بل يرهق الكرامة، ويثقل الخطوات، ويجعل الإنسان يحمل هم يومه قبل أن يحمل أحلام غده. ومع ذلك بقي في ريمة شيء لم تستطع السنون أن تمحوه، هو ذلك الوقار الذي يمنحه الصبر، وذلك الصفاء الذي يولد بعد كثرة البلاء. وهنا تظهر عين الفنان. فإن غيره رأى امرأة أثقلها العمر، أما هو فرأى تاريخاً كاملاً يختبئ في قسمات الوجه. رأى طفلة كانت تضحك، وشابة كانت تحلم، وأماً حملت أثقال الحياة، وإنسانة لم تفقد إنسانيتها رغم قسوة الطريق. ذلك هو الفرق بين من ينظر بعينه، ومن ينظر بذاكرته. وقديماً قيل إن العين ترى الظاهر، أما القلب فيرى الأثر. وأحسب أن الفنان لا يعيش إلا بالأثر، لأنه يدرك أن الأشياء لا تقاس بما كانت عليه، وإنما بما بقي منها في النفوس. وليس أنوير في هذه الحكاية شخصاً بعينه، بل هو صورة لجيل كامل خرج من الحرب بغير ما دخل إليها. دخلها شاباً يحمل مستقبله، وخرج منها يحمل ماضيه. دخلها ممتلئاً بالأمنيات، وخرج منها مكتفياً بأن يبقى على قيد الحياة. ثم جاءت السنوات التالية، فزادته من أثقالها حتى صار يشيخ قبل أوانه. ولم يكن ذلك شأنه وحده، بل شأن آلاف العراقيين الذين حملوا الوطن على أكتافهم، ثم وجدوا أنفسهم بعد عقود يحملون هموم المعيشة وحدهم. وهكذا تصبح الحكاية الفردية مرآة لحكاية جماعية. فالكاتب الذي يحسن الإصغاء إلى إنسان واحد، يكتب عن شعب كامل. والفنان الذي يرسم وجهاً واحداً بإخلاص، يرسم أمة بأسرها.
ولعل أجمل ما في ذياب أنه لم يحول اللقاء إلى شكوى، ولم يجعله مناسبة لإدانة الأشخاص، بل جعله سؤالاً أخلاقياً عن الزمن نفسه. كيف يستطيع التاريخ أن يأخذ من الإنسان كل هذا، ثم يطالبه أن يواصل الحياة كأن شيئاً لم يكن؟ وكيف يصبح الذين صنعوا الفرح يوماً، غرباء في بلادهم، يبحثون عن يد تمتد إليهم؟ يا هذا، إن الغربة ليست أن تبتعد عن وطنك، بل أن يبتعد وطنك عنك. والغريب ليس من قطع الحدود، وإنما من وقف في المكان الذي ولد فيه فلم يعرفه، أو عرفه فلم يعرفه الناس. ولذلك كان ذياب، وهو يغادر الديوانية، يحمل وجعاً أكبر من وجع اللقاء. لقد أدرك أن الذاكرة تحفظ الناس كما كانوا، أما الحياة فتسير بهم كما تشاء. وما بين الصورتين يولد الحزن الذي لا تصفه الكلمات. ولئن كان ذياب شاعراً، فإن لوحاته لا تقل شعراً عن قصائده. فهو لا يرسم الألوان لتملأ الفراغ، وإنما يجعل اللون شاهداً على التجربة، ويترك للخطوط أن تقول ما تعجز عنه اللغة. وهكذا تتكامل عنده الكلمة مع الصورة، فلا تعرف أهو يرسم القصيدة، أم يكتب اللوحة. وهذا شأن الفنان الحق، فإنه لا يفصل بين الفنون، لأن مصدرها واحد، وهو القلب إذا امتلأ بالتجربة، والعقل إذا تأملها، والضمير إذا أبى أن يتركها تضيع. ولذلك فإن قراءة ذياب ليست قراءة سيرة شخصية، بل قراءة لمرحلة عراقية كاملة، تعاقبت عليها الحروب، والحصار، والانكسارات، والهجرات، ثم بقي فيها الإنسان يحاول أن يحتفظ بما بقي له من ذاكرة.
يا هذا، إن الأمم تحفظ نفسها بالمباني حيناً، وتحفظها بالوثائق حيناً، لكنها لا تبقى حية إلا إذا حفظت ذاكرتها الإنسانية. والذاكرة لا يسجلها المؤرخ وحده، بل يحرسها الشاعر، ويرسمها الفنان، ويرويها الحكاء الذي يرفض أن يسمح للسنين بأن تمحو وجوه الناس. ولهذا أرى أن ذياب مهدي آل غلام لم يكن يكتب عن ريمة، ولا عن أنوير، ولا عن نفسه وحده، وإنما كان يكتب عن العراق الذي يسكن هؤلاء جميعاً. عراق عرف الفرح كما عرف الفجيعة، وعرف الجمال كما عرف الخراب، وعرف الإنسان قبل أن تعرفه السياسات. وتلك هي قيمة الأدب حين يصدق مع نفسه. فإنه لا يغير الماضي، لكنه يمنع النسيان. ولا يعيد الراحلين، لكنه يحفظ أسماءهم من السقوط. ولا يوقف الزمن، لكنه يجعل الإنسان يقف أمامه لحظة، ويتأمل ما صنعه بالأماكن والوجوه والقلوب. وإذا كان لكل فنان لوحة أخيرة يتركها للأيام، فإن أجمل لوحة يتركها ذياب ليست مرسومة على قماش، ولا مكتوبة في ديوان، وإنما هي هذا الإيمان العنيد بأن الإنسان، مهما أثقلته الحروب، ومهما أنهكه الفقر، ومهما طال عليه الغياب، يبقى جديراً بأن يُروى، وجديراً بأن يُتذكر، وجديراً بأن يُنصت إليه. ومن هنا تبدأ مهمة الفن، وتنتهي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تحية وسلام وعشق عراقي وانت العنوان
ذياب مهدي محسن ال غلام ( 2026 / 7 / 16 - 15:45 )

يا أنت ايها المتالق في الروح والذاكرة يا أنت البروف والانسان اسماعيل نوري الربيعي يأنت في عمق الروح ولا ابتداء فيما اكتبه ولا نهاية في السطر الذي اريده ولكن اقول سلام لمن تبعدهم المسافات عنا وهم في القلب أجمل الحاضرين.. وليست الروعة ان ترى من تحب كل يوم ولكن الروعة أن تشعر بوجوده حولك حتى وان كان بعيد عنك نعم لا تكفيني هذه المساحة لو كتبت عنك وعن تلكم الايام وكيف تدونها وتقرأ ما في روحي وسيرة الايام عندي وهي ايام الناس والوطن والحب والعصافير التي كنا وكان وكانت!؟ شكري وتقديري سلفا وبكل خطوط الطول حبا وشوقا وهل هذا يكفي... قبلاتي واشواقي بشذى قرنفلاتي


2 - تحية لبن ذياب
عبد الرضا حمد جاسم ( 2026 / 7 / 16 - 20:25 )
تسبقا او تسير معها للاستاذ كاتب هذا الطرح الجميل
ابو محمد بن ذياب ذلك النقي البهي الوفي
لكما و لكل من يقرا المكتوب امنيات بالسلامة و تمام العافية

اخر الافلام

.. نبيلة عبيد: أحمد زكي بيندمج جدًا.. وحصلت بيننا مشادة في فيلم


.. مصر فين في سوق الإعلانات؟ المخرج شريف منير يكشف ترتيب الإعلا




.. محلل سياسي: إسرائيل لم تسيطر فعليا على تلة علي الطاهر والروا


.. إسماعيل شيرتوك في جولة فرنسية وياسين بن شقرون عن دعم الفناني




.. حطيت لنفسى شروط الدكتورة نبيله حسن تتحدث عن رحلتها الفنية