الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواطن بالشكل الصحيح.

مهند المدني
ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 7 / 17
المجتمع المدني


منذ أكثر من عقدين يخوض العراق مخاضاً عسيراً ومعركة مفتوحة ضد الفساد الإداري والمالي، وتراجع كفاءة الإدارة العامة، وتآكل مؤسسات الدولة. وخلال هذه السنوات الطويلة لم يكن العائق تشريعياً فقط ،إذ صدرت حزم من القوانين وأُسست هيئات رقابية مستقلة وهيئات للنزاهة، وتعاقبت حكومات وبرامج إصلاحية متعددة، إلا أن المحصلة النهائية بقيت دون مستوى التطلعات وبقيت الدولة تدور في حلقة مفرغة.
هذه الحقيقة تفرض فرضية بحثية تتجاوز الإجراءات القانونية السطحية: هل تكمن الأزمة الحقيقية في نقص القوانين الرادعة؟ أم في بنية الثقافة المجتمعية التي تكيفت مع الفساد، ووفرت له غطاءً اجتماعياً سمح له بالتجدد والاستدامة؟
إن تجارب الأمم تؤكد أن (الدولة) ليست مجرد هياكل أو نصوص دستورية، إنما هي كائن معنوي يبدأ بناؤه من (الإنسان: المواطن أولاً). فالمؤسسات ما هي إلا مرآة عاكسة لمنظومة القيم السائدة في المجتمع ،فإذا كانت المنظومة القيمية تتسامح مع (المحسوبية والمنسوبية) أو تبرر الرشوة تحت مسميات (تسيير المعاملات أو الهدية) فإن أي هيكل قانوني للإصلاح سيظل هشاً وقابلاً للاختراق.

1/الإطار الفلسفي للوعي الجمعي:
لتفكيك هذه الظاهرة، لا بد من الاستعانة بمدخلين سوسيولوجيين أساسيين:
أ- مفهوم (الوعي الجمعي) عند إميل دوركايم:
يعرّف دوركايم الوعي الجمعي بأنه مجموعة القيم والمعتقدات المشتركة التي تشكل الضمير الأخلاقي للمجتمع وتوجه سلوك أفراده تلقائياً.
ففي المجتمعات المستقرة، لا يستمد القانون قوته من القوة القسرية للدولة فقط، إنما من الالتزام الطوعي للأفراد به، حيث يمارس المجتمع رقابة أخلاقية ذاتية تجعل من خرق القانون سلوكاً مستهجناً اجتماعياً قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القضاء.
ب- مفهوم (الهيمنة الثقافية) عند أنطونيو غرامشي:
يبين غرامشي أن السيطرة داخل المجتمع لا تفرض بالعقوبات والقوة الخشنة فقط، إنما بالهيمنة الثقافية التي تحدد ما يراه الناس طبيعياً ومألوفاً.
فعندما يتحول الفساد من انحراف فردي إلى سلوك اعتيادي مُعاش، وتصبح (المحاصصة) أو (التزلف) طريقتين مقبولتين لنيل الحقوق، فإن الخلل يكون قد تجاوز الأفراد ليصل إلى البنية الثقافية والوعي الجمعي ذاته، ليصبح الفساد جزءاً من المنطق اليومي السائد.

2/تشخيص الواقع العراقي: (سيكولوجيا الأزمة والبيئة الريعية):
عند إسقاط هذه المفاهيم على الواقع العراقي، نجد أن الأزمة مركبة ومرتبطة بظروف تاريخية واقتصادية واجتماعية خاصة: مثل:
أ- إرث الحروب والحصار: عقود الحروب العبثية والحصار الاقتصادي القاسي في تسعينيات القرن الماضي خلقت جرحاً غائراً في منظومة القيم. تحول السلوك البشري من (الإهتمام بالبناء) إلى (الإهتمام بالبقاء والاستمرار) مما شرعن أساليب الالتفاف على القانون كآلية للدفاع عن النفس، واستمر هذا السلوك حتى بعد زوال المسببات.

ب- الدولة الريعية وغياب مفهوم المال العام: يعاني العراق من ثقافة ريعية تنظر إلى الدولة باعتبارها (موزعاً للثروة أو الغنيمة التي يجب اقتسامها) وليس شريكاً في الإنتاج. هذا التصور أضعف الشعور بالمسؤولية تجاه المال العام، فصار يُنظر للاعتداء عليه في بعض الأوساط على أنه (حق مستقطع) وليس جريمة بحق المجتمع.

ج- البيئة الاجتماعية الحاضنة: تكمن المعضلة الحقيقية في تحول الفساد إلى سلوك يحظى أحياناً بـ (القبول والمكانة). فعندما يُحترم الفاسد أو صاحب النفوذ بناءً على ما يملكه من مال وسلطة، دون مساءلة عن المصدر، ينهار الرادع الاجتماعي للقانون، وتصبح النزاهة في نظر الأجيال الجديدة خياراً غير مجدٍ اقتصادياً واجتماعياً.

3/النماذج الدولية وتجارب التحول الفكري للمجتمعات:
إن تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة للعراق تؤكد أن تفكيك الفساد وإعادة بناء الدولة مر بمرحلة (هندسة الوعي) وتغيير القيم المجتمعية السائدة:

▪️نموذج دولة رواندا (تجاوز الهوية الفرعية إلى المواطنة):
بعد مأساة الإبادة الجماعية والانقسام المجتمعي الدامي عام 1994، أدركت رواندا أن بناء الدولة يبدأ من إلغاء الهويات الفرعية الضيقة وتجريمها في المعاملات الرسمية، ليكون الجميع تحت خيمة (المواطن الرواندي) ورافق ذلك إحياء تقليد شعبي يسمى (أوموجاندا)وهو يوم عمل جماعي شهري يشارك فيه الجميع بدءاً من رئيس الجمهورية إلى أبسط مواطن في تنظيف المدن وبناء المدارس، مما أعاد رسم ا(لوعي الجمعي) باتجاه المسؤولية الوطنية المشتركة والمساواة الفعلية أمام العمل العام.

▪️نموذج دولة أيرلندا الشمالية (كسر الشروخ الطائفية بالتعليم والمهنية):
عانت أيرلندا الشمالية من صراع طائفي وسياسي مرير لعقود طويلة شل قدرات الدولة ودمّر الثقة في مؤسساتها. وبعد اتفاق السلم الأهلي، كان المرتكز الأساسي هو إصلاح التعليم عبر تبني (التعليم المتكامل) الذي يدمج أطفال الطوائف المختلفة في مدارس مشتركة لكسر الصور النمطية السلبية منذ الصغر. وبالتوازي مع ذلك، تمت إعادة هيكلة جهاز الشرطة ليكون مؤسسة مهنية محايدة ممثلة للجميع، مما رسخ في الوعي الشعبي مفهوم (الدولة الضامنة والآمنة).

▪️نموذج دولة بولندا (التخلص من تركة الشمولية والالتفاف على القانون):
خرجت بولندا من الحقبة السوفيتية بإرث ثقيل من البيروقراطية، والرشوة، وثقافة (تسيير الأمور بالالتفاف على القانون) لحماية النفس من تغول السلطة الشمولية. كان الحل عبر استراتيجية تغيير قيمي شاملة، حيث فتحت الدولة أرشيفها بشفافية مطلقة وأدخلت مفاهيم الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان كركائز أساسية في مناهج التعليم، مما وجه (الوعي الفردي والجمعي) نحو ربط النجاح الشخصي بالجهد والابتكار الفعليين بدلاً من المحسوبيات الحزبية.

▪️نموذج دولة إيطاليا (مجابهة الجريمة المنظمة وثقافة الخوف):
واجهت إيطاليا معضلة تغلغل المافيا في مفاصل الدولة، معززة بثقافة مجتمعية صامتة وراسخة قائمة على السكوت وتجنب التدخل خوفاً أو يأساً. جاء التغيير في تسعينيات القرن الماضي عبر (حملة قضائية كبرى سميت الأيدي النظيفة) التي أسقطت حكومات ورجال سلطة فاسدين، وتزامنت هذه الحملة مع انتفاضة وعي مجتمعية واسعة قادتها المدارس والجامعات لغرس ثقافة تؤكد أن الخضوع للابتزاز أو دفع الرشوة يمثل إهانة مباشرة لكرامة المواطن ودولته.

4/خارطة الطريق (نحو مشروع وطني لهندسة الوعي العراقي):
يمتلك العراق المقومات المادية والبشرية للنهوض، لكن هذه المقومات ستبقى معطلة ما لم نتحرك باتجاه مشروع وطني لترميم وصياغة الوعي يرتكز على المحاور التالية:

أ- المحور التربوي والتعليمي وإعادة صياغة المناهج:
يجب ألا يقتصر التعليم على التلقين، بل يجب إدخال مناهج التربية المدنية، والمواطنة الفاعلة، والمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع منذ المراحل الدراسية الأولى.

ب-المؤسسات الاولى للنشأة: تفعيل دور الأسرة والمؤسسات الثقافية والإعلامية، لغرس قيم العمل والنزاهة والكفاءة وربط المواطنة بالحقوق والواجبات معاً.

ج- المحور الاجتماعي والثقافي (تغيير معايير التقدير):
تفكيك ثقافة النفوذ وهنا يجب على النخب الفكرية والمجتمعية قيادة حملة لتغيير معايير الاحترام والقدوة في المجتمع العراقي. فالاحترام يجب أن يُمنح للمنتج والعالم والنزيه وصاحب الكفاءة، وليس لصاحب النفوذ أو الثراء غير المشروع.

د- فصل الولاء عن الاستحقاق: مواجهة الاستقطاب الفرعي (العشائري أو المذهبي أو الحزبي أو القومي) وتكريس مبدأ أن معيار التقييم الوحيد هو الإنجاز والولاء للدولة والقانون.

و- المحور المؤسسي وعلاقة المواطن بالمسؤول:
من حيث كسر التقديس وترسيخ ثقافة أن المسؤول الحكومي هو (موظف عام) يتقاضى راتبه من أموال الشعب لتقديم خدمة للشعب ،ولا يمتلك قداسة تمنعه من النقد الموضوعي والمساءلة.

ز- الممارسات الفردية اليومية: دائماً التغيير يبدأ من القاعدة، فعندما يرفض المواطن منح الرشوة، ويرفض تبرير انحراف القريب أو الصديق تحت أي ذريعة، هنا يتحول الإصلاح من شعار فوقي إلى سلوك تراكمي تصنعه ملايين التفاصيل اليومية الصغيرة.

ختاماً/إن معركة العراق الكبرى في عقوده القادمة ليست مجرد معركة اقتصادية لتوفير الرواتب والموازنات، إنما هي معركة قيمية لاستعادة الهوية والمنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع.
فعندما يصبح احترام القانون مبعثاً للفخر لا علامة ضعف، وتتحول النزاهة إلى ثقافة مجتمعية تحمي صاحبها وتكافئه، وتنتهي حقبة المحسوبيات لصالح الكفاءة، عندها فقط سينتهي زمن (مشاريع الإصلاح المؤقتة) ويبدأ عصر (الدولة المستدامة) فالوعي الجمعي هو تلك القوة الصامتة التي تصنع الأمم، وإذا نجح العراق في إعادة هندسة هذا الوعي، فإنه سيضع الحجر الأساس لدولة حديثة تعانق تاريخها العريق وتبني مستقبلاً يستحقه أبناؤها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مطالب بتقرير المصير وتغيير دستوري بالمملكة المتحدة


.. الإعدام للمتهم بإنهاء حياة -دليفري بورسعيد- والمؤبد لثلاثة آ




.. تفاقم معاناة النازحين من اليمن في جيبوتي وسط غياب المساعدات


.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس




.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس