الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان
منير السباح
2026 / 7 / 18الثورات والانتفاضات الجماهيرية
فتحت أعيننا في مخيم الشاطئ الشمالي بغزة على "صابر"، ذلك الشاب الصغير الذي كان من أصحاب القدرات المحدودة، بملامحه البسيطة وألفاظه الجريئة. لكن خلف تلك القدرات المحدودة، كانت تسكن روح لم تعرف الخوف يوماً. لا أعرف حقاً من أين امتلك كل تلك الجرأة، وكيف لشخص بمثل حالته أن يضع هذا الهدف الكبير بين عينيه، ويقرر بمحض إرادته أن يعيش معاناة مواجهة الاحتلال اليومية.منذ صغرنا، كنا نرقب صابر وهو مشغول طوال وقته بهدف واحد: كيف يشاغل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الذين كانوا يأتون إلى غزة. كان يترصدهم يومياً على وجه الخصوص عند "التلة الشمالية" المطلة على المخيم. هناك، كان يقف شامخاً ليرجم بحجارته الجيبات العسكرية التي تمر من المكان، والحافلات التي كانت تنقل المستوطنين القادمين لاستطلاع المخيم، والتفكير في كيف يمكن أن يكونوا جيراناً لأهله في حال استوطنوا بجوارهم.بجرأته الاستثنائية، استطاع صابر أن يلف حوله أطفال المخيم، وأن يجعلهم يقلدونه في أفعاله. لقد صنع بيده أول مقلاع أراه في حياتي، وكان يتقدم بكل شجاعة إلى أقرب نقطة ممكنة، في تماس مباشر وصادم مع جنود الجيش. كان المستوطنون يحاولون استدراجنا وإغراءنا ببعض الحلوى—لربما ليحببونا فيهم، أو ليتّقوا شرّ حِجارتنا—لكن صابر كان صاحب المدرسة الأولى؛ علّمنا أن نأخذ منهم الحلوى، ثم نمطرهم مباشرة بالحجارة، حتى يندموا على اليوم الذي فكروا فيه بالمجيء إلى هذا المكان.وفي أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، قررت الحكومة الإسرائيلية بناء مستوطنة مجاورة لمخيم الشاطئ الشمالي، وتحديداً في الأرض المعروفة باسم "المشتل" من الناحية الغربية الشمالية، وهي المنطقة الغنية بالآثار، والممتدة تقريباً من المثلث الشمالي محاذيةً لمسجد الشهداء وحتى نصل إلى فندق المشتل.حوط الاحتلال كامل تلك الأرض بالأسلاك الشائكة تمهيداً لبدء البناء، فما كان من صابر إلا أن جعل من تلك الأسلاك معركته الخاصة. كان يتسلل كل يوم إلى المكان، يغافل الدوريات العسكرية الدائمة المرابطة هناك، ويقوم بفك وطي تلك الأسلاك ثم إلقائها في عرض البحر. تكرر الأمر حتى أصاب الذهول جنود الاحتلال، فقرروا التربص وعمل كمين محكم لضبط هذا "المخرب الخفي".نجح الكمين، واقتادوا صابر إلى مقر الزراعة الذي كان يتخذه الاحتلال مقراً مؤقتاً لإدارة المكان. هناك، قاموا بتربيطه وإشباعه ضرباً مبرحاً، ثم استدعوا والده ليتكفل به ويسلمه إياه. لكن صابر لم يكن شخصاً عادياً؛ كانت لديه عقيدة راسخة وعقدة لا تنحل مع الاحتلال. لم يثنهِ الضرب، ولم تكسره قسوة الاعتقال، بل عاد بعد تلك الحادثة أكثر عناداً وأشد عنفاً في مواجهتهم.استمر صابر على هذا النهج، وزرع في قلوب أطفال المخيم—وأنا من ضمنهم—بذور الجرأة ومقاومة المحتل، حتى أصبح كل طفل يفعل تماماً ما يفعله صابر. لقد كانت أفعاله وبطولاته البسيطة هي التهيئة الحقيقية والتوطئة لجيل "أطفال الحجارة" الذين فجروا انتفاضة عام 1987. وبفضل صمود صابر، وبفضل تلك السواعد الصغيرة التي علّمها الشجاعة، أُفشِل مخطط بناء مستوطنة المشتل، والتي كان الاحتلال يخطط لبنائها ربما باسم افترضه "مشتليوت".رحل ذلك الزمان، لكننا نروي اليوم هذه الحكاية ليدق اسم صابر أبو القمصان ناقوس النسيان؛ لئلا تنسى الذاكرة رجلاً بسيط القدرات، عظيم الأثر، حمى أرضاً بجرأته، وصنع جيلاً قاوم بقلب لا يعرف الخوف.رحمة الله عليك يا صابر.. لقد كنت بطلاً قاوم الاستيطان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. (برومو) بودكاست -نزعمو كاملين- | الحلقة السادسة
.. الحلقة الثالثة من برنامج «أسئلة حارقة» : محمد مصحو
.. (برومو) الحلقة الثالثة من برنامج -أسئلة حارقة- : محمد مصحو
.. سومية منصف حجي في النشرة الرئيسية للقناة الأولى | عيون نسائي
.. الحلقة الثانية من برنامج -تقدميات- : فاطمة الزهراء برصات