الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب

منير السباح

2026 / 7 / 19
قضايا ثقافية


في أوقات الحروب والأزمات الوجودية الطاحنة، لا تقتصر المعارك على الجبهات العسكرية، بل تمتد لتستهدف الحصانة الفكرية والنفسية للمجتمعات الهشة. عندما يغيب الاستقرار ويصبح الفقد والدمار واقعاً يومياً كما يحدث في قطاع غزة، يقع الإنسان تحت وطأة ضغط نفسي ساحق. في هذه البيئة المضطربة، ينتعش سوق الدجل والشعوذة، حيث يجد الانتهازيون فرصة سانحة لتحويل دماء الضحايا وآلامهم إلى تجارة رابحة، مستغلين حاجة البشر الفطرية للأمان. ولفهم هذه الظاهرة، لا نحتاج فقط إلى نظريات صماء، بل إلى تشريح تجربة حية عشتُ فصولها بنفسي خلف قضبان السجن، لتكون مرآة صادقة لما يحدث اليوم في فضائنا الرقمي والواقعي.في تجربة مريرة مرت عليّ داخل السجن، قامت الإدارة بجمع المرضى النفسيين، والمدمنين الذين يعانون من أعراض انسحاب المخدرات القاسية وصرخاتهم المرعبة، في قسم واحد. كان الجو مشحوناً برعب يكفي لزلزلة أعتى العقول. وسط هذا المناخ، ادعى أحد الزملاء أن له صديقة من الجن تأتيه في المنام وتُدعى "زيتونة"، وكنا نلاحظ عليه كلاماً مضطرباً أثناء نومه —ربما كان كوابيس أو هلاوس قلق. ومع إلحاح الأسرى، وافق على "استحضارها" بشرط توفير طقوس تعجيزية: صمت مطبق، عتمة كاملة، وقراءة سور معينة من القرآن كـ "الصافات". وفرنا الشروط، وتحت وطأة الخوف الممزوج بالفضول، بدأ يتلوى تحت بطانيته بحركات أنثوية، ونطقت "زيتونة" بصوت متمايع. في سجن ذكوري موحش، جُرد فيه الأسرى من ملامح الحياة الطبيعية وصاروا يتلهفون لرؤية أي أنثى ولو كانت سجّانة قبيحة، دغدغ هذا الصوت المتموج كوامن الجميع. لكن، وسط هذا الذهول، ثقبت أذنَي حقيقة واضحة: الصوت كان صوته هو، متلاعباً به ومستغلاً الأجواء المرعبة ليدلس علينا. في تلك اللحظة، انتفضتُ على الخوف، سحبتُ عنه البطانية وقلت له بحسم: "فز انصرف.. إياك بعد هيك تعمل حركات من هذا النوع!". انهار المسرح، وانكشف الزيف، ومن يومها أدركت أن الشعوذة لا تمر على عاقل دون تفكيكها نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.إن ما فعله زميل السجن، وما يفعله دجالو اليوم، يحكمه نفس المنطق النفسي والاجتماعي؛ فالإنسان في السجن أو الحرب عندما يُجرد من سلطته وقراره، يصبح ادعاء "المخاواة" حيلة نفسية لتعويض العجز، يتحول بها الشخص من خانة الضحية الضعيفة إلى الرجل الخارق الذي يمتلك قوى غيبية عابرة للأسوار أو القصف. وذكاء الدجال يكمن دائماً في رصد الجوع الجماعي للمحيطين به؛ فزميل السجن علم بحجم الحرمان العاطفي فجسد لهم "زيتونة"، ودجالو اليوم يرصدون حاجة الناس في غزة للأمان أو العلاج بعد تدمير المنظومة الطبية، فيجسدون لهم الحلول السحرية. هذا النوع من صناعة المسرح وطلب العتمة والصمت هو تكنيك كلاسيكي لتهيئة الضحية وإدخالها في حالة ترقب خائف تعطّل التفكير المنطقي، مما يجعل العقل يفضل الكذبة المريحة على الحقيقة المرعبة.واليوم، تخلص الدجال من بطانيته القديمة وانتقل إلى الفضاء الرقمي، مستغلاً الهواتف الذكية ومجموعات واتساب وتلغرام وفيسبوك ليتسلل إلى البيئات المنكوبة بأقنعة حديثة. تبرز هنا صفحات "العلاج الروحاني" والرقية التجارية التي تخلط ما بين الدين والخرافة بشكل ماكر؛ فلا تقدم الرقية كمواساة، بل كمنظومة تشخيصية وهمية تُقنع المصدوم من أشلاء القصف بأن قلقه ومصابه هو مسّ أو حسد لتستنزف ما تبقى في جيبه من مال. بالتوازي مع ذلك، يظهر مدّعو العلاج الطبيعي والطب البديل الوهمي، مستغلين شح الأدوية وتدمير المستشفيات لبيع خلطات عشبية ووصفات عشوائية لعلاج إصابات الحروب والكسور، مما يتسبب بتفاقم الإعاقات والالتهابات لغياب الرقابة الطبية.إن مواجهة الدجل الرقمي والواقعي في بيئاتنا الهشة لا تتم بالهجوم على الضحايا المنهكين، بل بتطبيق تلك الحركة العقلانية الشجاعة: سحب البطانية وكشف الزيف. يتطلب ذلك أولاً نشر الوعي العقلاني والديني القويم عبر خطاب يحث على الأخذ بالأسباب الواقعية وتفنيد أساليب الصفحات التجارية التي تستغل النص الديني لبيع الأوهام. وثانياً، توفير البدائل الموثوقة من خلال تفعيل شبكات الدعم النفسي والإغاثي والتثقيف الطبي الميداني والرقمي لملء الفراغ المؤسسي، ومساعدة الناس على تفريغ صدماتهم بطرق علمية آمنة ومجانية. والأهم من ذلك هو امتلاك النظرة التحليلية وتدريب عقول الشباب والمثقفين على عدم تمرير أي ظاهرة دون تمحيص أبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فالخوف يهزمنا فقط عندما نستسلم لمسرحياته. وحماية العقول في زمن الحرب لا تقل أهمية عن حماية الأبدان؛ فالمجتمع الذي يحافظ على وعيه وعقلانيته يظل صامداً وقادراً على النجاة وإعادة البناء، بينما المجتمع الذي يسقط في فخ "زيتونة" وشاشات الدجل يفقد بوصلة الحقيقة ويسهل استلابه وتدميره من الداخل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - لماذا عنوانك فيه اسم السعودية فقط؟
سامر مليح ( 2026 / 7 / 19 - 07:31 )
لماذا؟ و لماذا لم تذكر السعودية في محتوى مقالك؟! هل فقط استغلال لاسم السعودية لجذب القارىء؟! السعودية أكبر من مقالك.

اخر الافلام

.. هل هناك خطر يهدد محطة الضبعة النووية؟.. مصر ترد | #ستوديو_وا


.. برلين تدين تصريحات بن غفير وتدعو لوقف مشروع الاستيطان في الض




.. خارج الصندوق | خبير نووي مصري يفند مزاعم بوليتيكو: لا تأخير


.. مقابلة خاصة مع وزير الخارجية السوداني.. اتهامات لإثيوبيا وتش




.. انشقاقات متتالية تهز الدعم السريع.. هل تقترب نهاية الحرب؟