الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السلوك الأيراني

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2026 / 7 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


يُعد السلوك الإيراني خلال العقود الأخيرة واحدًا من أكثر الملفات إثارةً للجدل في السياسة الدولية، إذ تنظر إليه أطراف عديدة باعتباره مشروعًا يتجاوز حدود الدولة التقليدية إلى محاولة توسيع النفوذ عبر أدوات عسكرية وسياسية وأمنية في عدد من دول الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، تتهم إيران بالتدخل في شؤون دول المنطقة عبر دعم جماعات وحركات مسلحة، الأمر الذي أدى إلى تعقيد الأزمات الداخلية وإطالة أمد الصراعات في أكثر من ساحة، كما جعلها في مواجهة مستمرة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية وإسرائيل. وفي المقابل، تؤكد القيادة الإيرانية أن سياساتها تستند إلى مفهوم الدفاع عن النفس وحماية أمنها القومي، وترى أن وجودها الإقليمي جاء نتيجة تهديدات خارجية ومحاولات مستمرة لتطويقها وعزلها.
ومع تصاعد التوترات العسكرية خلال السنوات الأخيرة، برزت إيران بصورة أكثر صراحة في استخدام أوراق الضغط التي تمتلكها، سواء من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، أو عبر توسيع دائرة المواجهات غير المباشرة في المنطقة. ويثير هذا السلوك مخاوف واسعة لأن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق قد ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل الأزمة تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتصبح قضية ذات تأثير دولي.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا مهمًا: هل أصبحت إيران قوة يصعب ردعها بعد أن خرجت من دائرة النفوذ المحدود إلى التأثير الإقليمي المباشر؟ الإجابة ليست بسيطة، فإيران تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية وشبكة من الحلفاء تمنحها أدوات ضغط مؤثرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، وعقوبات دولية، وضغوطًا سياسية وعسكرية تجعل قدرتها على الاستمرار في التصعيد مفتوحة على حسابات دقيقة. لذلك، فإن تصويرها على أنها قوة لا يمكن ردعها قد لا يعكس الصورة الكاملة، لأن ميزان القوى في المنطقة ما يزال يخضع لتوازنات معقدة بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
وفي المقابل، يذهب بعض المحللين إلى أن صعود إيران لم يكن نتيجة قوتها الذاتية وحدها، بل جاء أيضًا نتيجة أخطاء وسياسات انتهجتها قوى دولية وإقليمية عبر العقود الماضية. فقد أدت الحروب التي شهدتها المنطقة، وسقوط أنظمة سياسية، وغياب الاستقرار في عدد من الدول، إلى خلق فراغات أمنية وسياسية استثمرتها طهران لتعزيز نفوذها. ومن هذا المنظور، فإن النفوذ الإيراني ليس نتاج مشروع إيراني فقط، بل هو أيضًا نتيجة بيئة إقليمية مضطربة وسياسات دولية ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تشكيل موازين القوى.
كما يرى فريق آخر أن استمرار التوتر مع إيران يخدم مصالح أطراف مختلفة، سواء من خلال تبرير الوجود العسكري في المنطقة، أو تعزيز صفقات التسليح، أو إعادة رسم التحالفات السياسية. وبالتالي، فإن الصراع لا يمكن اختزاله في طرف واحد، بل هو نتاج شبكة معقدة من المصالح المتشابكة، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه الاستراتيجية مستخدمًا أدواته السياسية والعسكرية والإعلامية.
إن مستقبل السلوك الإيراني سيبقى مرتبطًا بطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية أكثر من ارتباطه برغبة طرف واحد في التصعيد أو التهدئة. فكلما ازدادت الأزمات وتراجعت فرص الحوار، ارتفع احتمال توسع الصراعات، وكلما نجحت الجهود الدبلوماسية في معالجة الملفات الخلافية، تراجعت فرص المواجهة المباشرة. وفي النهاية، يبقى أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي مسؤولية مشتركة تتطلب التزام جميع الأطراف باحترام القانون الدولي، وتجنب السياسات التي تؤدي إلى توسيع دائرة النزاعات أو تهديد الملاحة الدولية، لأن استمرار الصراع لن يحقق استقرارًا دائمًا لأي طرف، بل سيزيد من معاناة شعوب المنطقة ويضاعف كلفة الأزمات على العالم بأسره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مبادرة -نفس- تتظاهر ضد التضييق على الحريات في تونس


.. القوات الحكومية اليمنية تستعيد مديرية حيس.. ما الدلالات؟




.. الحرس الثوري: استهدفنا ناقلات نفط وسفن أمريكية ردا على استهد


.. بوتين يلتقي مبعوثي ترامب في موسكو ويأمر بوقف قصف كييف 3 أيام




.. ما وراء الخبر - دبلوماسي أوكراني سابق يكشف أسباب -فشل وساطة