الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مجلس الشعب بلا تصفيق... هل يكفي ذلك؟

ضيا اسكندر
كاتب

2026 / 7 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


ليس من السهل العثور على ما يستحق الثناء في المشهد السياسي السوري الراهن. فالمجلس الذي انعقدت جلسته الأولى مؤخراً جاء نتيجة آلية اختيار وتعيين أثارت اعتراضات واسعة لدى غالبية القوى السياسية السورية، بوصفها تفتقر إلى أبسط المعايير الديمقراطية التي يفترض أن تقوم عليها أي مؤسسة تشريعية تحترم نفسها وتحترم شعبها.
كما أن كثيراً من السوريين ينظرون إلى السلطة القائمة بوصفها سلطة أمر واقع، وصلت إلى الحكم عبر صفقة إقليمية دولية، تقاطعت فيها مصالح القوى الخارجية أكثر مما تجلت فيها إرادة السوريين أنفسهم. لذلك يصعب تناول مجلس الشعب الجديد بمعزل عن هذه الحقائق أو القفز فوق الأسئلة المتعلقة بشرعيته وتمثيله.
لكن وسط هذا المشهد المزدحم بالتحفظات والأسئلة، برز تفصيل صغير استرعى الانتباه: غياب التصفيق في الجلسة الأولى للمجلس.

قد يبدو الأمر هامشياً للوهلة الأولى، إلا أن السوريين الذين عاشوا عقوداً في ظل نظام جعل الولاء السياسي جزءاً من الحياة العامة يدركون حجم الدلالة الكامنة وراء هذا الغياب. التصفيق في الحياة السياسية السورية تحوّل مع الزمن إلى ثقافة سياسية كاملة.
في سوريا الأسد، كان الوزراء والنواب والطلاب والعمال والموظفون وأعضاء النقابات والمنظمات مطالبين بإظهار الولاء بالطريقة نفسها. واكتسب التصفيق معنى سياسياً يتجاوز التعبير عن التأييد، فأصبح بمثابة شهادة ولاء علنية، بينما أحاطت الشبهات والريبة بكل من يخرج عن هذا الإيقاع الجماعي.
لقد كان مجلس الشعب في عهد الأسدين أحد أكثر رموز الإفلاس السياسي فجاجة. مؤسسة يفترض أن تمثل الشعب وتمارس الرقابة على السلطة، تحولت إلى شاهد زور على تغوّلها. نواب يتنافسون في إظهار الولاء، وخطب تُقاطع بعواصف من التصفيق، وقرارات تمر بإجماعات شبه مطلقة، حتى بدا المجلس أقرب إلى فرقة كورال سياسية منه إلى هيئة تشريعية.

ومع مرور السنوات، اكتسب التصفيق وظيفة سياسية واضحة. إذ تحول إلى رمز لمرحلة كاملة من التبعية السياسية، وإلى أداة لإقصاء العقل النقدي وتحويل العمل العام إلى طقس من طقوس التمجيد. وترسخت صورة النائب الذي يصفق ويهتف ويبارك، فيما تراجعت صورة النائب الذي يسائل ويناقش ويدافع عن مصالح الناس.
لهذا السبب يكتسب غياب التصفيق في الجلسة الأولى أهمية تتجاوز حدود البروتوكول. الصمت الذي خيّم على القاعة حمل دلالة رمزية عميقة، لأنه كسر مشهداً ظل السوريون يشاهدونه لعقود طويلة حتى كاد يصبح جزءاً من تعريف السلطة نفسها.
ومن المؤكد أن غياب التصفيق لم يكن نتاج صحوة ديمقراطية مفاجئة تحت القبة، ولا ثمرة اقتناع جماعي لدى النواب بفضائل العمل البرلماني. فمجلس جرى تعيين أعضائه من فوق لا يملك ترف صناعة تقاليده السياسية من تلقاء نفسه. المنطق يقول إن تعليمات واضحة صدرت للأعضاء بعدم التصفيق، في إطار محاولة واعية للتخلص من الصورة الكاريكاتورية التي التصقت بمجالس الشعب في عهد الأسدين.
غير أن هذه الحقيقة لا تنتقص من دلالة ما حدث. صدور تعليمات تمنع التصفيق يحمل دلالته الخاصة أيضاً. كما أن السلطة الجديدة تدرك أن التصفيق والهتاف والتزكية الجماعية تحولت في الوعي السوري إلى أحد رموز الحقبة السابقة، وأن إعادة إنتاج تلك المشاهد منذ الجلسة الأولى كانت ستشكل هدية مجانية لمنتقديها.

لقد صفق مجلس الشعب السابق لكل شيء: للتوريث، وللقمع، وللقوانين الاستثنائية، وللسياسات التي أوصلت البلاد إلى الانفجار. تراكم التصفيق فوق التصفيق، فيما كانت البلاد تتجه نحو مزيد من الأزمات والانقسامات والكوارث. ولم يسجل التاريخ لذلك المجلس موقفاً يوازي حجم الولاء الذي أظهره أو حجم التصفيق الذي ملأ قاعاته.
من هنا تأتي قيمة ما جرى في الجلسة الأولى. الإشادة بغياب التصفيق لا تعني منح المجلس صك براءة، ولا التغاضي عن العيوب الجوهرية التي رافقت تشكيله، وإنما تعني الترحيب بسقوط واحدة من أكثر الممارسات السياسية ابتذالاً في تاريخ الحياة العامة السورية.
لهذا السبب، لا يبدو منطقياً تحميل هذه الواقعة أكثر مما تحتمل، ولا تحويل غياب التصفيق إلى بشارة سياسية أو مقدمة لتفاؤل مجاني. غياب التصفيق لا يكفي وحده لإضفاء صفة التمثيل الشعبي على أي مؤسسة، كما أن التخلص من أحد طقوس الاستبداد لا يعني التخلص من الاستبداد نفسه.
نعم، من حق السوريين أن يرحبوا باختفاء مشهد التصفيق الذي رافق خراب البلاد لعقود. لكن من حقهم أيضاً ألا يكونوا سذّجاً إلى درجة الخلط بين تغيير في الإخراج السياسي وتغيير في جوهر السياسة.
فبعد نصف قرن من التصفيق، تعلم السوريون درساً قاسياً: الكارثة لا تصبح أقل خطورة عندما تُستقبل بالصمت بدلاً من التصفيق. أما المجلس الذي يُشكَّل بالتعيين لا بالانتخاب، فلا توجد أسباب تدعو للاعتقاد بأنه سينتج حياة سياسية مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون لعقود. ذلك أن أزمة التمثيل لا تُحل بإسكات الأيدي المصفّقة، وإنما بإعطاء الناس حق اختيار من يتحدث باسمهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - أتفق معكم تماما
سامر مليح ( 2026 / 7 / 20 - 12:45 )
لكن سعادة المفكر أليس من الظلم بمكان ألا نعطي الحكم الجديد فرصة وقت؟!


2 - دكتور
سامر مليح ( 2026 / 7 / 20 - 12:46 )
أظن التجربة الأردوغانية قادمة لسوريا الشعب

اخر الافلام

.. إسرائيل تتقدم في جنوب لبنان.. ماذا بقي من قوة حزب الله؟ | #ا


.. عاجل | لقطات مباشرة تفجيرات ضخمة في جنوب لبنان.. إسرائيل تست




.. إسرائيل تعلن تدمير بنى تحتية بمساحة أكثر من كيلومترين بمرتفع


.. ما وراء الخبر | جهود دولية لدعم الحوار السوداني السوداني




.. عبر الخريطة التفاعلية.. هل تنجح القوات الحكومية اليمنية في ا