الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جذور اللاسامية: من التأسيس العرقي في أوروبا إلى التوظيف السياسي الحديث

منير السباح

2026 / 7 / 20
السياسة والعلاقات الدولية


شهدت الساحة السياسية والفكرية الدولية على مدار العقود الماضية جدلاً ممتداً حَوْلَ مصطلح "اللاسامية" أو معاداة السامية، وهو المصطلح الذي بات يمثل واحداً من أعقد الملفات التي تتداخل فيها اللغة بالتاريخ، وتصطدم فيها الحقيقة التاريخية بالتوظيف السياسي والمصالح الأيديولوجية.يعود أصل هذا المصطلح إلى عام 1879، عندما قام الصحفي والكاتب الألماني فيلهلم مار بصياغته بهدف إيجاد مبرر يبدو علمياً وثقافياً للتعبير عن كراهية اليهود في أوروبا، مستنداً إلى النظريات العرقية التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر، ومحاولاً الابتعاد عن الدوافع الدينية التقليدية القديمة. والمفارقة التاريخية واللغوية الصارخة في هذا السياق تبدأ من أصل كلمة "سامي" نفسها؛ فمن الناحية التاريخية واللغوية، تعود الكلمة لتصنيف مجموعات وشعوب تتحدث لغات متقاربة كالعربية والعبرية والآرامية، ويشكل العرب تاريخياً ولغوياً الكتلة السامية الأكبر والأضخم على وجه الأرض. ومع ذلك، جرى اختزال المصطلح في الوعي الغربي وتوجيهه حصراً للإشارة إلى كراهية اليهود فقط، مما خلق تناقضاً بنيوياً وعلمياً يجعل من اتهام العربي باللاسامية أمراً ينافي العقل والواقع التاريخي.لقد عاش اليهود في المنطقة العربية لقرون طويلة في وضع أفضل بكثير مقارنة بالأوضاع المأساوية والاضطهاد والمجازر التي واجهوها في أوروبا؛ حيث شكل العصر الإسلامي في الأندلس والمغرب والمشرق نموذجاً للتعايش والمواطنة والاندماج، وساهم اليهود العرب كجزء أصيل في النسيج الاجتماعي والسياسي حتى مطلع القرن العشرين. إلا أن صعود الحركة الصهيونية أحدث شرخاً عميقاً، إذ استغلت هذه الحركة تنامي الأفكار اللاسامية في أوروبا لتبرير حتمية الهجرة وإقامة وطن قومي في فلسطين. وعقب الحرب العالمية الثانية وتأسيس دولة إسرائيل، جرى تحويل هذا المصطلح من مفهوم عرقي منبوذ إلى درع سياسي وقانوني لحمايتها من أي نقد، وخلق حصانة دولية وضغط قانوني ضد منتقدي سياساتها الاستعمارية.تطورت آليات توظيف هذا المصطلح في العقود الأخيرة عبر مأسته دولياً، وهو ما تجسد في تبني "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" (IHRA) عام 2016 لتعريف فضفاض يخلط عمداً بين كراهية اليهود كدين وبين انتقاد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. هذا التعريف تحول إلى أداة تشريعية في الدول الغربية لملاحقة حركات المقاطعة، ومعاقبة الأكاديميين والإعلاميين، وتصفية الحسابات السياسية في الانتخابات الأمريكية والأوروبية ضد المرشحين الداعمين للحقوق الفلسطينية. وامتدت هذه الرقابة إلى الفضاء الرقمي عبر فرض خوارزميات آلية تحذف المحتوى العربي والفلسطيني وتقيد وصوله بالتنسيق مع جهات حكومية إسرائيلية، تحت ستار مكافحة خطاب الكراهية.في المقابل، لم يمر هذا الاحتكار الفكري بدون مقاومة؛ إذ قاد مئات العلماء والمؤرخين الدوليين تحركاً لإنشاء بدائل علمية مثل "إعلان القدس حول معاداة السامية" عام 2021، والذي نص صراحة على أن انتقاد إسرائيل أو مقاطعتها لا يُعد معاداة للسامية. كما خاض مفكرون يهود بارزون، مثل نورمان فينكلشتاين وإيلان بابيه وحركات شبابية مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام"، معارك شرسة لتفكيك الابتزاز الأخلاقي الصهيوني، مؤكدين أن الصهيونية حركة سياسية إحلالية وليست ممثلاً لكل يهود العالم، وأن نقدها واجب إنساني وأخلاقي.أما المشهد الراهن فيشهد تحولاً جذرياً ومفارقة جديدة، حيث بدأ الجيل الغربي الجديد (جيل Z) في كسر هذا الحصار الرقمي والفكري عبر استخدام لغة الرموز والتحايل اللغوي على المنصات الرقمية، والتركيز على البث المباشر للحقائق الميدانية التي تعري الرواية الإعلامية التقليدية. وفي الوقت ذاته، دخلت قوى اليمين المتطرف الأوروبي على خط الأزمة، وهي القوى التي نبتت تاريخياً من رحم الأيديولوجيات الفاشية والنازية المعادية لليهود؛ حيث أصبحت اليوم تتبنى الدعم المطلق لإسرائيل وتطالب بتطبيق قوانين اللاسامية كصك غفران لتطهير ماضيها، مستبدلة كراهيتها القديمة بترويج العداء للمهاجرين العرب والمسلمين تحت لافتة الدفاع عن "الحضارة اليهودية-المسيحية"، مما يؤكد أن المصطلح قد أُفرغ تماماً من محتواه الإنساني الأصيل ليتحول في النهاية إلى مجرد أداة سياسية نفعية في صراع القوى والمصالح الدولية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية السعودي يؤكد أهمية حرية الملاحة وسلامتها في مض


.. طهران ومسقط تؤجلان اجتماعا خليجيا وانفجارات مجهولة تهز سيريك




.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا