الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أسوأُ ما في الألم..

عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)

2026 / 7 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ليس أشدُّ الألم ما يفتك بالجسد، ولا ما يتركه الزمان من ندوبٍ على صفحات العمر؛ فكلُّ جرحٍ يعتاده الجسد مع الأيام، وكلُّ دمعٍ تجفُّه الرياح مهما أطال المقام. ولكنَّ أشدَّ الألم، وأقساه، وأمضَّه في النفس، أن يُكتب على الإنسان أن يحمل قلبًا يئنُّ في صمت، ولسانًا لا يجرؤ أن ينطق بما فيه، وعينين تحفظان الدمع كما يحفظ الليل أسراره، خشيةَ أن تقع نظرةُ شماتةٍ على وجعه، أو أن تمتدَّ يدُ سخريةٍ إلى موضع كسره.
ما أقسى أن يصبح الصمتُ وطنًا للمنكسرين، وأن يغدو الكتمانُ آخرَ ما يملكه القلب من كرامة. فالإنسان لا يخشى الألم؛ فقد خُلق ليذوق من مرارة الأيام ما يشاء الله له أن يذوق. ولكنه يخشى أن يتحول وجعه إلى متاعٍ تتداوله الألسن، أو إلى مشهدٍ يبتسم له من كان بالأمس قريبًا، فإذا هو اليوم أبعد من الغريب، وأقسى من عابر سبيل.
وهل في الحياة ما هو أمرُّ من أن يبتليك الأيام بمن كنت تظن أن دفءَ قلبه سيقيك بردها، فإذا به يزيدها صقيعًا؟ وأن تفتش عن كتفٍ تستند إليه، فلا تجد إلا جدارًا أصمَّ، أو وجهًا يراك تتهاوى، فيشيح ببصره، أو يرقب سقوطك في صمتٍ لا يخلو من رضا؟
إن للخذلان صوتًا لا تسمعه الآذان، ولكنه يهدم في القلب مدنًا بأكملها. وللشماتة سكينًا لا تُرى، غير أنها تنفذ إلى أعماق الروح، فتترك فيها جرحًا لا يلتئم، لأن اليد التي غرزتها لم تكن يد عدو، بل يدًا حسبتها يومًا تمتد إليك بالعون، فإذا بها تمتد لتختبر مقدار انكسارك.
ولذلك ترى بعض الناس يضحكون، وليس في أرواحهم غير البكاء. يتحدثون مع الآخرين، بينما في صدورهم ألفُ حكايةٍ لم تجد أذنًا أمينةً تسمعها. يمشون بين الخلق بوجوهٍ هادئة، وقد حمل كلُّ واحدٍ منهم على كتفيه مقبرةً من الأحلام، وأطلالًا من الثقة، وذكرياتٍ كانت يومًا تملأ القلب دفئًا، ثم تحولت إلى رماد.
وما أعجب القلب البشري! فهو يحتمل من الألم ما لا تحتمله الجبال، ثم ينهار أحيانًا من كلمةٍ قاسية، أو نظرةٍ باردة، أو ابتسامةٍ أدرك أنها لم تكن مواساة، بل كانت تخفي في أعماقها لذةَ الشماتة. كأن الجراح لا تؤلم لأنها عميقة، بل لأنها جاءت من الأيدي التي كنا نظنها أحنَّ علينا من أيدينا.
لهذا يتعلم الإنسان، بعد طول العذاب، أن يخبئ دموعه كما يخبئ الفقير آخر قطعةٍ من الخبز. ويخبئ آلامه كما تخبئ الأرض كنوزها في أعماقها، لا بخلًا بها، ولكن لأنه أدرك أن بعض الناس لا يعرفون من لغة الدموع إلا لذة الانتصار، ولا يقرأون في صفحات الوجع إلا ما يشبع غرورهم.
غير أن القلب، مهما أثقلته الجراح، يبقى يحمل قبسًا من نور. فهو يعلم أن الدنيا لا تخلو من روحٍ رحيمة، ولا من يدٍ تمتدُّ في صدق، ولا من عينٍ تدمع لألم غيرها دون رياء. لذلك لا ينبغي للألم أن يحول الإنسان إلى صورةٍ أخرى من الذين آذوه؛ بل يكفيه أن يحتفظ بإنسانيته، وأن يظل وفيًّا لقلبه، حتى وإن خانه كثيرٌ من القلوب.
فأسوأُ ما في الألم ليس أنه يسلبنا الطمأنينة، بل أنه يعلّمنا أن نبكي بصمت، وأن نتألم بصمت، وأن نبتسم بصمت... لأننا أدركنا أن بعض الأوجاع لا يزيدها الكلام إلا اتساعًا، وأن بعض الناس لا يستحقون أن يروا دمعةً خرجت من عينٍ أنهكها الحزن، ولا أن يسمعوا أنينَ قلبٍ ما زال، رغم كل شيء، يؤمن أن الرحمة هي أجمل ما أودعه الله في الإنسان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوتين وشي جينبينغ في الهند للمشاركة في قمة دول البريكس


.. الأردن في مرمى الصواريخ الإيرانية.. ما هي قدرة عمان على التح




.. الحوثيون يقتربون من باب المندب.. إلى أين تتجه المعارك؟ | #غر


.. الحوثيون يهددون باب المندب.. وترامب يرفض طلبا سعوديا بالتدخل




.. لبنان.. سكان صريفا يعودون إلى بلدتهم وينتظرون وعود إعادة الإ